اخبار ثقافية

مسيرة إنسانية ملهمة … لأول جراحة في ظفار

مسيرة إنسانية ملهمة … لأول جراحة في ظفار

إعداد/ نجلاء الهطالية

النشأة والبدايات

من أقصى الجنوب العُماني، وتحديداً من ولاية مرباط بمحافظة ظفار، بدأت أولى ملامح الحلم تتشكل في بيئة بسيطة، لكنها مشبعة بالقيم، حيث كان للأسرة دور محوري في بناء الثقة وتغذية الطموح. في تلك المساحة الهادئة نما حلم الطب مبكراً ، مدعوماً بإيمان عائلي صادق بقدرة الابنة على تحقيق ما تصبو إليه.

تستعيد الدكتورة وردة بنت عبدالرحمن بالخير تلك المرحلة قائلة إن نشأتها الأولى كانت حجر الأساس لمسيرتها ، موضحة : ” نشأت في ولاية مرباط ، في أسرة بسيطة لكنها غنية بالقيم ، تعلمت فيها معنى الصبر و الاجتهاد و الاعتماد على النفس . منذ طفولتي كان حلم الطب يسكنني ، وكنت أجد في والدي أعلي الداعم الأول لي ؛ لم يشككوا يوماً في قدرتي ، بل كانوا دائماً يشجعونني على التميز .”

وتشير إلى أن دعم الأسرة كان عاملاً حاسماً في تجاوز المراحل التعليمية ، مضيفة : ” بعد انتهائي من التعليم الثانوي ، التحقت بكلية الطب بجامعة السلطان قابوس ، وحصلت على شهادة البكالوريس في العلوم الصحية ، لأتخرج كأول طبيبة من ولايتي ، وهو إنجاز أعتز به كثيراً.”

وتلفت إلى أن التخرج لم يكن نهاية الرحلة ، بل بدايتها الفعلية في مواجهة واقع مهني مليء بالتحديات، موضحة :” في عام 2010 بدأت عملي في قسم الجراحة بمستشفى السلطان قابوس بصلالة. كان دخولي مجال الجراحة تحدياً حقيقياً، خاصة مع النظرة السائدة آنذاك بأن الجراحة ليست مجالاً مناسباً للمرأة، لكنني كنت مؤمنة بأن الإصرار و العمل الجاد قادران على كسر أي حاجز .”

التخصص في جراحة الثدي

بعد سنوات من العمل في الجراحة العامة وجراحة المناظير، اتجهت الدكتورة وردة إلى مسار أكثر دقة، مسار يلامس الجانب الإنساني بعمق ويضع الطبيب في تواصل مباشر مع مشاعر المريضات و آمالهن.

وتوضح أن هذه القرار لم يكن وليد الصدفة ، بل نتيجة قناعة ورسالة ، حيث تقول :”عملت في الجراحة العامة وجراحة المناظير ، لكنني شعرت بأن رسالتي الحقيقية تكمن في مجال جراحة الثدي . هو تخصص حساس و إنساني قبل أن يكون طبياً ، لأنك تتعاملين مع الخوف و الأمل و الألم في الوقت نفسه.”

وتستعرض طبيعه عملها ومسؤوليتها الحالية ، مشيرة إلى شمولية الخدمات التي تقدمها قائلة :” بصفتي مسؤولة عن عيادة الثدي ، أقدم خدمات متكاملة تشمل الفحوصات الطبية ، أخذ العينات و الخزعات، إجراء العمليات الجراحية ، وضع الخطط العلاجية و المتابعة المستمرة.”

وتؤكد ان مستوى الوعي الصحي في تحسن ، لكنه لا يزال بحاجة إلى دعم أكبر ، مضيفة :” ألاحظ أن وعي النساء بدأ يتحسن تدريجياً ، إلا أن الخوف من الفحص أو الخزعة لا يزال عائقاً لدى بعضهن ، ولذلك نعمل بأستمرار على طمأنة النساء ونشر ثقافة الكشف المبكر .”

الرسالة المجتمعية

لم يقتصر دور الدكتورة وردة على العمل السريري داخل المستشفى ، بل امتد ليشمل المجتمع بمختلف فئاته، إيماناً منها بأن التوعية تشكل خط الدفاع الأول ضد المرض.

وتوضح فلسفتها المهنية في هذا الجانب بقولها :” أؤمن بأن دور الطبيب لا يتوقف عند غرفة العمليات ، بل يتجاوزها إلى التوعية و الوقاية وخدمة المجتمع .”

وتشير إلى مشاركتها المجتمعية ، موضحة :” كنت حريصة على أن أكون عضواً فاعلاً في الرابطة العمانية لسرطان الثدي (نقطة ارتكاز)، وعضو مجلس إدارة الجمعية العمانية للسرطان – فرع ظفار ، ورئيسة اللجنة الصحية .”

وتتحدث عن تجربتها في التوعية الميدانية ، مؤكدة الأثر الإنساني العميق لهذا الدور ، قائلة :” قدمت العديد من المحاضرات وورش العمل في المدراس و الجامعات ، ودربت النساء على الفحص الذاتي للثدي ، كما شاركت في فعاليات تعزز النشاط البدني ونمط الحياة الصحي.”

وتضيف بنبرة إنسانية صادقة:” أكثر ما يلامسني هو شجاعة النساء في مواجهة المرض؛ أحياناً دعم أو ابتسامة صادقة قد تغير مسار رحلة العلاج بالكامل.”

الإنجازات العلمية والمهنية

جاءت إنجازات الدكتورة وردة العلمية و المهنية ثمرة طبيعية لمسار طويل من العمل و الالتزام بالتطوير المستمر ، حيث حرصت على الجمع بين الممارسة الطبية والبحث العلمي.

وتشير إلى بداياتها البحثية قائلة :” حرصت على أن يكون البحث العلمي جزءاً من عملي ، فقد نشرت مقالاً علمياً عن متلازمة رابونزل في مجلة عمان الطبية عام 2010.”

وتستعرض محطات مفصلية في مسيرتها ، مضيفة:” شاركت في تدشين برنامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي بمحافظة ظفار عام 2011، وساهمت في إعداد ونشر برنامج الكشف المبكر للعاملين الصحيين بوزارة الصحة عام 2012.”

كما تتحدث عن مسيرتها التدريبية الدولية ، موضحة :”حصلت على تدريب في طب الطوارئ و الجراحة العامة من ألمانيا،ثم دبلوم تخصصي في جراحة أورام الثدي من جامعة روما تورفيرجاتا بإيطاليا عام 2013 ، إضافة إلى شهادة دولية في تشخيص أمراض وسرطان الثدي من سنغافورة عام 2022 ، وتم اعتمادي كسفيرة دولية لجمعية تصوير الثدي التشخيصي في العام نفسه.”

وتختتم حديثها عن التكريم بقولها :” حصلت على جائزة المرأة للإجادة في التوعية بسرطان الثدي بظفار عام 2023 ، وكان من أعظم الشرف لي أن أحظى بالتكريم من السيدة الجليلة في يوم المرأة العمانية لعام 2025 ، وهو وسام أعتز به كثيراً.”

الرؤية المستقبلية ورسالتها للمرأة العمانية

بنظرة متفائلة ، تتحدث الدكتورة وردة عن مستقبل خدمات طب الثدي في السلطنة ، مؤكدة أن القادم يحمل فرصاً واعدة للتطوير.

وتوضح رؤيتها قائلة :” أنظر إلى مستقبل خدمات طب الثدي في السلطنة بتفاؤل كبير ، فهناك توجه واضح لتطوير البرامج الصحية وتوسيع نطاق الخدمات التخصصية .” وتضيف قائلة عن طموحاتها المهنية :” أطمح أن يصبح الكشف المبكر ثقافة راسخة لدى كل امرأة عمانية ، وأن أواصل البحث العلمي و المشاركة في المؤتمرات الدولية لتعزيز مكانه السلطنة في هذا المجال.”

تتميز المرأة العمانية بعزيمتها و إصرارها على المضي قدماً رغم التحديات ، فهي تشكل جزءاً أساسياً من نسيج المجتمع العماني وتسهم في تطوره عبر إنجازاتها في التعليمم و العمل و الأسرة. تواجه المرأة اليوم فرصاً واسعة، لكنها تحتاج إلى الثقة بالنفس والدعم المستمر لتعزيز مكانتها ومساهمتها في المجتمع.

وتؤكد الدكتورة وردة أن الطريق نحو التميز يبدأ بالإيمان بالقدرات الذاتية ، قائلة :” التميز والتفوق متاح لكل امرأة عمانية مبدعة، وعلى كل امرأة أن تؤمن بذاتها و قدراتها وتحب المجال الذي تعمل به. فـ رسالتنا الأسمى هي إنشاء أجيال متمسكة بالقيم والمبادئ وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف. ولا تنسي أنك امرأة قوية، شجاعة و مسؤولة فلا تسمحي لأحد أن يردعك عن تحقيق أحلامك وأهدافك بل قفي صامدة وحاربي حتى النهاية.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى