أخبار محلية

بين الجذور والأفق في عصر العولمة

بين الجذور والأفق في عصر العولمة

د. سالم سهيل الكثيري

في أقصى جنوب السلطنة حيث تعانق الجبال الخضراء وشواطئ بحر العرب تقع محافظة ظفار التي تحمل كونا ثقافيا حيا ينبض بالمفردات الجميلة. وحيث تتنفس الأرض تاريخا عريقا من تجارة اللبان ومسارات القوافل وتواجه اليوم نسمات عصرية قادمة من كل حدب وصوب. لكن ظفار تتواجه ولا تنغلق وتخوض حوارا صامتا بين جذورها الضاربة في أعماق التاريخ وأجنحتها التي تحلم بلمس المستقبل. وفي هذا المقال سأحاول طرح المفردات التي جعلت   ظفار بعبقها العريق أن تتكيف مع معطيات العالم الجديد فتتعامل معه وتحافظ على الأصالة في ظل دولة المؤسسات.

 إن القلب النابض لظفار يكمن في نسيجها الاجتماعي المتماسك حيث تظل القبيلة والأسرة الممتدة، هي الخلية الأساسية لهذا الكيان وهذا النظام ليس ترتيبا اجتماعيا فحسب بل هو نظام قيمي متكامل يمنح الفرد إحساسا بالأمان والهوية بعد أن تم تمكينه بمفردات الوطن الآمن القادر على وضع نفسه أمام الأمم.

عندما يخرج شاب من منزله من ظفار أو من أية محافظة من عمان   فهو لا يحمل اسمه الشخصي بل يحمل اسم قبيلته وتاريخ أجداده وبلده عمان. فهذه الحمولة الثقافية تجعله ينظر إلى أي فكر وافد بعينين عين منفتحة على الجديد وأخرى حارسة للقديم.  

 أما المفردة الثانية فهي اللغة   المشتركة للذاكرة الشعبية، ففي الأسواق والمجالس تسمع نغمات اللغات الظفارية القديمة التي تتماوج كأغان من الماضي ترفض الاختفاء وتصر على الحفاظ على هذا التنوع اللغوي كجزء من روحها.

ويقف المراقب من الخارج أحيانا متسائلا لماذا تقاوم مجتمعات بعض أشكال التغيير رغم فوائده الواضحة؟ لكن النظرة من الداخل تكشف مشاعر أكثر تعقيدا من رفض التقدم. ثمة خوف حقيقي من فقدان الخصوصية في زمن العولمة فمع الانفتاح السياحي الكبير يشعر الناس أن ما يميزهم من عادات الضيافة الفريدة وطقوس القهوة وأساليب الترحيب قد يتحول إلى فولكلور يستعرض للسياح بدلا من أن يبقى ممارسة يومية حية، إنه الخوف من أن تصبح الثقافة سلعة  تفقد روحها،  ثم تأتي الفجوة الجيلية ذلك الصدع الخفي بين جيل عايش حياة الشدة والاعتماد المباشر على الأرض  وجيل اليوم الذي ينتمي إلى العالم الرقمي ،  فالجد الذي قضى سنوات في رعي الإبل قد لا يفهم بالضرورة حفيده الذي يدير مشروعا سياحيا عبر المنصات الرقمية ولكن الحقيقة أن كليهما يحب ظفار بلغات مختلفة.

وبالرغم كل ما يبدو من مقاومة فإن ظفار لا تقف ساكنة فالمجتمع هنا يمارس فن الفلترة الذكية فهو لا يرفض الجديد جملة وتفصيلا ولا يقبل كل وافد بلا تمحيص بل يختار بعناية ما يتناسب مع نسيجه القيمي في مجال التعليم. فالشاب الظفاري اليوم قد يدرس في أرقى الجامعات العالمية ويطلع على أحدث النظريات لكنه يعود بحصيلة معرفية يطوعها لخدمة مجتمعه دون أن يقطع صلته بأصله، إنه يحمل شهادة العصر في يد وقيم الأجداد في اليد الأخرى.

إن في عالم ريادة الأعمال تزدهر مشاريع تعبر عن الحداثة المتصالحة مع الهوية.  فمثلا كافيهات عصرية تقدم القهوة العربية في أكواب فخمة لكن جلساتها لا تزال تتخذ الشكل الدائري التقليدي، ومشاريع السياحة البيئية تستخدم أحدث التقنيات لكنها تروي قصص التاريخ العتيق إنها حداثة ترتدي ثوب الأصالة.

  ولكن يبقى هناك تحدي أمام محافظة ظفار أو غيرها من المحافظات في سلطنة عمان هو المشي على حبل مشدود بين ضرورتين الانفتاح الاقتصادي الذي يتطلب مرونة فكرية وقبولا للآخر، والاستقرار الاجتماعي الذي يقوم على احترام الأعراف الراسخة، وكل ذلك قائم على هذا التساؤل كيف تشارك في الاقتصاد العالمي دون أن تفقد روحك المحلية؟ كيف تستقبل السياح من كل الثقافات دون أن تذوب في بوتقة الثقافة العالمية الموحدة؟ هذا الأسئلة   ليست سهلة للإجابة عليها بل تبحث دائما عبر حوار يومي قد تراه في نقاش بين أب وابن حول مشروع جديد، أو في اجتماع لقادة المجتمع يبحثون عن طريقة لإدخال التقنية مع الحفاظ على التقاليد، إذا ما تقدم معادلات صعبة لكنها ليست مستحيلة.

إن مقاومة التغير الفكري ليست جمودا بل هي شكل من أشكال الحوار مع العصر إنها محاولة للتكيف دون ذوبان للتطور. فالمجتمع هنا يرفض أن يكون نسخة كربونية من نماذج عالمية ويصر على كتابة حداثته بلغته الخاصة، فالتحدي اليوم يقع على عاتق الجميع والمؤسسات الثقافية التي يجب أن تكون جسرا لا حاجزا للشباب الذين يحملون مسؤولية فهم الماضي وابتكار المستقبل فهي تحتاج إلى الثقة بأن الجذور قوية بما يكفي لتحمل أغصان جديدة.

 وفي الختام لا بد أن يتعلم الإنسان أن التغيير لا يعني الهدم بل يمكن أن يكون بناء فوق أساس متين وأن الأصالة ليست متحفا للأفكار بل شجرة حية تنمو كل يوم جذورها في عمق التاريخ وأغصانها تلامس سماء المستقبل.

د. سالم سهيل الكثيري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى