أخبار محلية

الحرفُ المُضَمّد

الحرفُ المُضَمّد

ك.ش.أ.عائشة بن عمر. العيدروس

يقال إن المجالس بالأمانات، غير أن الحياة في جوهرها تقوم بالكلمات. فالدواء لا يُحبس دائماً في زجاجات الصيدليات، بل قد يتجسد في جملةٍ صادقةٍ تعبر القلب فترمّم ما تهدّم، وتعيد للروح ترتيبها بعد فوضى طويلة. الكلمة الطيبة هي “علاج الروح” وترياقها الخفيّ؛ تمنحنا أجنحةً غير مرئية، فنحلق بها نحو فسحة الفرح كما لو أننا نولد من جديد.

لكن هذه الكلمة، على رقتها، سلاح ذو حدين. قد تكون كفّاً حانية تمسح تعب الخذلان فيهدأ، وقد تتحول إلى نصلٍ يقطع آخر خيوط الرجاء. بها يُبنى الإنسان أو يتداعى؛ لذلك كانت مسؤولية الكلمة أثقل من أن تُترك للسان وحده، فهي تنبع من ضمير قائلها قبل أن تصافح آذان الآخرين.

مرافئ الحروف وأنواعها (الترياق)

الكلمة الطيبة ليست لوناً واحداً، بل حدائق متعددة، لكل قلبٍ فيها مرفأ يستريح فيه:

* كلمة الجبر: تلك التي تُهدى للمنكسر: “أنا بجانبك، سيجبر الله خاطرك”؛ هي البلسم العاجل الذي يوقف نزيف الروح.

* كلمة التقدير: “شكراً، جهدك عظيم، أنت محل فخر”؛ كلمات صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها، توقظ الطاقات الكامنة وتمنح الفرد وقوداً للاستمرار.

* كلمة التغافل: وهي التي تمحو الخطأ دون عتاب ثقيل، كأن تقول: “لا بأس، كلنا يخطئ”؛ هي التي تحمي جسور العلاقات من التآكل.

* كلمة الاستبصار: حين تفتح لشخصٍ باباً لم يره في نفسه: “أنت تملك من القوة ما لا تراه الآن”؛ هي منارة وسط حيرة النفس.

أنصال الحروف وأنواعها (المِشرط)

على الضفة الأخرى، تقف الكلمات القاسية كأنصالٍ مسمومة؛ لا تكتفي بجرح الجلد، بل تنفذ إلى الأعماق لتهدم بناء الأسرة وتفرق شمل الأصدقاء، وتذلّ أرواحاً لم تعرف يوماً الانكسار:

* كلمة الخذلان: التي تُقال لمن استند إليك بكل ثقله، فتنفضه ببرودٍ يجعله يواجه العاصفة وحيداً مكسور الجناح.

* كلمة السخرية: التي تنحر ثقة الشخص بنفسه، وتجعله ينكمش على جرحه خجلاً وسط ضجيج ضحكات الآخرين.

* كلمة المنّ: وهي التي تأتي بعد العطاء لتبطله، فتذلُّ العزيز وتجعل المعروف سيفاً مسلطاً على عنقه بدلاً من أن يكون جسراً للمحبة.

* كلمة الاتهام الجائرة: التي تقذف دون تثبت، فتهدم بيوت الألفة وتترك ندوباً في السمعة لا يمحوها اعتذار متأخر. إن بناء الإنسان يتطلب آلاف الكلمات الطيبة، لكن هدمه قد لا يحتاج لأكثر من كلمة قاسية واحدة تُقال في لحظة طيش. فليكن نطقنا شفاءً، أو صمتنا وقاية؛ فالعالم مثقلٌ بما يكفي من الندوب.   

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى