اخبار ثقافية

صباح الأمل والطموح

صباح الأمل والطموح

أ.عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس

مع أول خيوط الفجر، ومع زقزقة العصافير التي أيقظت المكان، نهض صغيري من نومه فرحًا أكثر من كل الأيام الماضية. لم يكن بحاجة لمن يوقظه، فقد سبق المنبه وقام مسرعًا، كأن قلبه كان على موعد مع حدث انتظره طويلًا. رأيته يُقبل إليّ بخطوات متسارعة، يحمل بين عينيه بريق الحلم، وبين شفتيه ابتسامة لا تُشبه إلا إشراقة هذا الصباح الجديد.

ارتدى دشداشته العُمانية البيضاء الناصعة، وكأنها تليق ببهجة قلبه، ثم وضع الكِمّة على رأسه وأخذ يعدّلها في مرآته الصغيرة، كأنه أمير يستعد لحفل عظيم. وقفت أتأمل ملامحه، وقلت في نفسي: “لمن كل هذا يا بُني؟”. فأجابني وهو يلمع وجهه بالبسمة: “يا أمي… لقد اشتقتُ إلى معلمتي، هي من تقودني إلى العلم وتغرس في قلبي كل جميل. اشتقتُ إلى صوتها وإلى دروسها، اشتقتُ إلى طاولتي التي أكتب عليها، وإلى الزوايا التي ألهو فيها مع أصدقائي. اشتقتُ إلى عالمي الصغير الذي يفتح لي أبواب المعرفة.”

تأملت كلماته البسيطة، فإذا بها تحمل في طياتها المعنى الكبير الذي يغيب عن كثير منا. فالمدرسة ليست مجرد مقاعد وألواح وكتب، بل هي وطن صغير يحتضن الأطفال، يعلّمهم كيف يصنعون مستقبلهم، ويمنحهم الأمل بأن القادم أجمل. هي بيتهم الثاني، حيث تتشكل القيم وتترسخ المبادئ، حيث تزهر العقول بالعلم، وتخضر الأرواح بالود والمحبة.

إن لحظة عودة الأبناء إلى مدارسهم هي لحظة ولادة جديدة، ليس لهم فحسب، بل لنا نحن الآباء أيضًا. فهي توقظ في قلوبنا ذكريات مقاعدنا الأولى، دفاترنا التي كانت تملآها الأحلام. ومع كل عودة، نشعر أن قافلة العلم لا تتوقف، وأن الرسالة التي حملها المعلمون من جيل إلى جيل تظل مشتعلة، تُضيء العقول وتزرع الأمل.

يا صغيري، ها أنتَ اليوم تحمل حقيبتك، تسير بخطوات واثقة نحو فصلك، تلتقي بأصدقائك، تضحك وتلعب، وتتعلم ما يبني في داخلك إنسانًا صالحًا قادرًا على العطاء. ويا أيتها المعلمة الفاضلة، التي يشتاق إليها أبناؤنا كما يشتاق الغريب إلى وطنه، لكِ في قلوبنا عرفانٌ عظيم، فأنتِ النور الذي يضيء دروبهم، وأنتِ البصمة التي تظل خالدة في ذاكرتهم مدى الحياة.

إن العودة إلى المدرسة ليست مجرد بداية عام دراسي، بل هي بداية رحلة متجددة من النمو، من التعلم، من بناء الذات، ومن اكتشاف مواهب الأطفال وقدراتهم. هي بداية قصص تُكتب كل يوم في الدفاتر، وأحلام تُرسم على جدران الفصول، وضحكات بريئة تعلن أن الغد لا يزال جميلًا.

فلنجعل من هذا العام الدراسي صفحة بيضاء نكتب عليها الأمل والطموح. ولندعُ الله أن يفتح لأبنائنا أبواب العلم، وأن يجعل خطواتهم مباركة، وقلوبهم متعلقة بالمعرفة، وأن يسدد معلميهم ويعينهم على أداء رسالتهم العظيمة.

اللهم اجعل مدارسنا منارات للعلم، ومعلمينا مصابيح هداية، وأبناءنا زهورًا تتفتح في حدائق الوطن، يحملون في قلوبهم حب الحياة، وفي عقولهم نور المعرفة، وفي أعمالهم بذور الخير والعطاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى