أخبار محلية

صلاةٌ من نوعٍ آخر

صلاةٌ من نوعٍ آخر

ك.ش.أ عائشة بنت عمر حسن العيدروس

في اليوم الخامس من رمضان، وبعد أن هدأت لهفة البدايات واستقرّت النفوس على إيقاع الصيام، تقف الأم في محرابها الخاص. وبينما تصطفّ الأقدام في المساجد لصلاة التراويح، تقف هي في محرابٍ آخر؛ محرابٍ تفوح منه رائحة الحليب، وتعلو فيه همسات الطفل وبكاؤه.

قد يمرّ بخاطرها شوقٌ خفيّ لصفوف المصلّين، لكن الحقيقة الإيمانية الأعمق تقول: إن الله يُعبدُ بالواجبات كما يُعبدُ بالنوافل، بل إن أداء الواجب مقدَّمٌ وأعظم أجرًا.

بيتُكِ هو مسجدُكِ الأكبر

جاءت الشريعة رحيمةً بالمرأة، مقدِّرةً لدورها، فلم تُلزمها شهود الجماعة، بل جعلت صلاتها في بيتها خيرًا لها. ولم يكن ذلك انتقاصًا، بل تعظيمًا لرسالتها وستراً لها.

وقد جاء في السنة ما يطمئن قلب كل أمّ، إذ قال محمد ﷺ:

“صلاةُ المرأةِ في بيتِها خيرٌ من صلاتِها في حُجرتِها، وصلاتُها في مخدعِها خيرٌ من صلاتِها في بيتِها”.

فحين تحرسين طفلك، وتقومين على راحته في أضيق زوايا بيتك، فأنتِ في ثغرٍ لا يسدّه سواكِ. وصلاتكِ هناك ليست عبادة ناقصة، بل عبادة اختارها الله لكِ في هذا الموضع الخفيّ والقريب.

بين بكاء الطفل وخشوع القلب

ليس من الرحمة أن يُترك صغيرٌ يبكي طلبًا لنافلة.

ديننا دينُ توازن، ونبيُّنا ﷺ كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمةً بأمه.

فكيف يُظنّ أن رحمة الأم تُنقص أجرها؟

الأم التي تقطع صلاتها لتهدئة صغيرها، أو تصلي وهو بين ذراعيها، إنما تجمع بين عبادة القلب وعبادة الرحمة، وأجرها مضاعف بنيّتها وصدقها.

عبادة التفاصيل الصغيرة

في اليوم الخامس، حين يبدأ التعب الخفيف، ويظهر أثر السهر، تتجلّى عبادة الصبر.

إعداد الإفطار، ترتيب البيت، إيقاظ الصغار للسحور، مسح دموعهم… كلها طاعاتٌ خفيّة لا يراها الناس، لكنها عند الله عظيمة.

إن جبر خاطر طفلٍ في رمضان قد يكون أرجى قبولًا من ركعاتٍ بلا حضور قلب.

خامسه يمضي… والنية باقية

ها هو اليوم الخامس يمضي سريعًا، كأنه رسالة:

ليس السبقُ بكثرة القيام فقط، بل بصدق المقام.

رمضان ليس سباق أقدامٍ إلى المساجد فحسب، بل سباق قلوبٍ إلى الله، وأنتِ يا أمّاه في مقدمة هذا السباق ما دمتِ تؤدين أمانتكِ بإخلاص.

لا يُحزنكِ بُعدكِ عن صفوف المصلين، فأنتِ في صفوفٍ أخرى لا تقلّ شأنًا: صفوف الصابرين، المحتسبين، المحسنين.

أنتِ في عبادةٍ منذ نية السحور حتى آخر تنهيدة تعبٍ قبل النوم.

ك.ش.أ عائشة بنت عمر حسن العيدروس  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى