لوحاتُ الفنّانة نادين عميره.. أسئلة الهُويّة والدّور الاجتماعي

عمّان / تقدم التشكيلية الأردنية نادين عميره، في معرضها “الأنوثة؛ جوهر أم اختيار” مشروعاً إبداعياً يسائل مفهوم الأنوثة بمختلف أبعاده، طارحاً السؤال الجوهري: هل الأنوثة جوهر أصيل ومتجذر في الكيان الإنساني، أم هي جزء من بناء اجتماعي وثقافي يتشكل عبر سياقات متعددة وتجارب متنوعة؟
تتقاطع أعمال المعرض المقام على جاليري جاكراندا في عمّان، مع أسئلة الهوية والدور الاجتماعي، ضمن معالجة فنية تعتمد على تقنيات معاصرة تكشف عن وعي تقني وفلسفي محدّد لدى الفنانة التي وظفت عناصر التكوين التشكيلي لخدمة الجانب الجمالي ولبناء خطاب بصري متعدد الطبقات، وهذا ما جعل كل عمل من الأعمال كما لو أنه مساحة شاسعة للتأمل والتأويل.
واعتمدت الفنانة في أعمالها على التنويع بين الرسم التعبيري والتجريد الذي ينحو باتجاه الرمز، متكئة على العديد من الخامات والتقنيات ومنها الألوان الزيتية والأكريليك، والمواد المختلطة التي أسهمت في جعل الأسطح البصرية غنية بالملمس والتفاصيل، إلى جانب استخدام طبقات متراكبة من الألوان جعلت المَشاهد تبدو كما لو أنها ثنائية الأبعاد ونابضة بالحركة والتوتر.
ومن الملفت في المعرض الذي يستمر حتى نهاية هذا الشهر قدرة عميره على استخدام اللون بوصفه حامل دلالة إلى جانب بعده الجمالي، لهذا برزت ألوان الأحمر والوردي والذهبي بتدرجاتها لترمز إلى معاني الخصوبة والقدرة والقوة الداخلية المتمثلة في تكوين الجسد، أما الدرجات اللونية الداكنة من الأسود والرمادي والبني الغامق فعبّرت عن حالات من الصراع والقيود الاجتماعية، وقد منح التوازن بين الألوان الحارة والداكنة توتراً بصرياً واضحاً في اللوحات عكسَ طبيعة التساؤلات المطروحة حول دور المرأة وحقيقة كينونتها.
واعتنت الفنانة في أعمالها بالخطوط والتكوين الهندسي، حيث تراوحت الخطوط بين الحادة والانسيابية، في تجسيد لحالات متعددة من القوة والهشاشة، والتمرّد والانكسار، والثبات والتحوّل، ففي عدد من اللوحات اعتمدت عميره على بناء شبه تجريدي، تتداخل فيه الملامح الإنسانية مع عناصر رمزية، بينما اتجهت أعمال أخرى إلى التعبيرية التي تعد أكثر وضوحاً، مع التركيز على الجسد بوصفه المركز الذي يدور حوله المعنى، والفكرة التي تتمحور حولها الأنوثة.
إلى جانب ذلك، وظفت الفنانة الملمس من أجل التعبير عن فكرتها، فالأسطح الخشنة تارة واللينة أو الانسيابية تارة أخرى، لعبت دوراً محورياًّ في تجسيد التناقضات الداخلية التي تعيشها المرأة بين الصورة المفروضة والذات الحقيقية، كما أن استخدام المواد المختلطة أضاف بعداً تركيبياًّ للأعمال، وفتح المجال أمام قراءة اللوحة بوصفها بناءً مفاهيمياًّ ينفلت من إسار الرسم التقليدي وحدوده.
وقدمت الفنانة إلى جانب اللوحات أعمالا نحتية تضافرت مع اللوحات لتؤكد على رسالة المعرض، إذ تحرر الجسد من سطح اللوحة وحيزها الضيق ليصبح له كتلة وحضور مادي متكامل، واستخدمت الفنانة تقنيات معاصرة في النحت جمعت بين التشكيل الكلاسيكي والمعالجة التجريبية، إذ اعتمدت على خامات متنوعة مثل الجص والمواد المركبة، مع اهتمام واضح بالتفاصيل السطحية وبالملمس الذي تنوع بين النعومة في عدد من المنحوتات والخشونة في منحوتات أخرى.
وأظهرت عميره في منحوتاتها وعياً بمفاهيم الكتلة والفراغ في التكوين العام للمنحوتة، حيث استخدمت التوازن بين الامتلاء والانفتاح لتجسيد حالات مختلفة من القوة والانكشاف، ففي بعض المنحوتات برزت الملامح واضحة، بينما اتجهت منحوتات أخرى نحو التجريد، لتصبح الأنوثة فيها فكرة أكثر من كونها هيئة واضحة المعالم، وهذا التداخل بين التّشخيص والتّجريد منح الأعمال قدرة على مخاطبة المتلقي على المستويين الوجداني والفكري.
وإلى جانب ذلك أسهمت الخطوط الانسيابية في بناء الشكل، حيث حضرت التقوسات والانحناءات كرموز للجسد والخصوبة والطاقة، في مقابل زوايا أو شقوق حادة جاءت لتعكس التوتر أو فعل المقاومة، وهذا التناقض التقني بين الليونة والصلابة جعل المنحوتات امتداداً لفكرة المعرض وثيمته الأساسية.


