“عودة الماضي” رحلة عبر الزمن تستحضر أصالة وتراث ظفار العريق

2
عودة 2

“عودة الماضي” رحلة عبر الزمن تستحضر أصالة وتراث ظفار العريق
خريف ظفار – صلالة


تواصل فعالية “عودة الماضي” بمنطقة السعادة بولاية صلالة استقبال زوارها وسط أجواء الخريف الساحرة ووسط دفئ الماضي الجميل وذلك ضمن فعاليات موسم خريف ظفار 2026 التي تنظمها بلدية ظفار لتكون إحدى أبرز الوجهات التراثية في الموسم، حيث تسلط الضوء على تنوع البيئات التي تزخر بها المحافظة من خلال محاكاة واقعية لأنماط الحياة القديمة، وما ارتبط بها من مهن وحرف ومناسبات اجتماعية وفنون شعبية شكلت ملامح المجتمع الظفاري عبر الأجيال.
وتأتي الفعاليات لتعيد إحياء تفاصيل الحياة العُمانية الأصيلة وتجسد الموروث الفني و الثقافي لمحافظة ظفار من خلال مشاهد حية تستعرض البيئات المختلفة، والعادات والتقاليد، والفنون الشعبية، والحرف اليدوية، والأسواق القديمة، في رحلة تأخذ الزائر إلى زمن الأجداد
وتبدأ الرحلة في البيئة البحرية التي تجسد العلاقة الوثيقة بين الإنسان الظفاري والبحر، حيث تعرض أدوات الصيد التقليدية والقوارب القديمة، وصناعة الشباك إلى جانب الفنون البحرية والأهازيج التي كان البحارة يرددونها خلال رحلات الصيد لبث الحماس والتعاون، ومن أبرزها فن الشبانية وفن الدواري، والالعاب الشعبية التي كان يمارسها الاطفال مثل الحواليس و والصياد كما تقدم فعالية ( السفارة) وهي استقبال المسافرين والتبشير بقدومهم والتي تستعرض فرحة الأهالي بالاهازيج التي تعبر عن الشوق والفرح بسلامة الوصول لتستحضر أجواء البحر وما ارتبط به من مهن وعادات وتقاليد.


أما البيئة الحضرية فتستعرض ملامح الحياة الاجتماعية في المدن قديمًا، وتبرز طقوس الزواج التقليدية، وزفة العريس، وعروض فن البرعة والطبل ، وغيرها من الفنون التي كانت حاضرة في المناسبات الاجتماعية، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية في الأحياء القديمة، وما اتسمت به من ترابط اجتماعي وقيم أصيلة.
ثم البيئة الزراعية التي تعكس ارتباط الإنسان الظفاري بالأرض والظراعة، حيث تعرض المحاصيل التي اشتهرت بها المحافظة قديما مثل ( المشلي)جوز الهند، والموز، والبابايا، والليمون، إضافة إلى بعض الخضروات والفواكه كما تجسد العادات والتقاليد المرتبطة بالمزارعين، وروح التعاون في أعمال الزراعة والحصاد، وإكرام الضيف بثمار المزارع ومنتجاتها وتبرز البيئة الزراعية كذلك الأزياء التقليدية التي ارتبطت بحياة الأهالي، وتعرض مجموعة من الدكاكين القديمة التي كانت تمثل جزءًا من الأسواق التقليدية، ومنها دكاكين بيع العسل، والفواكه والخضروات، والطيور والأغنام، ومحال بيع الفندال والبطيخ والمشلي، إلى جانب دكان بيع الشتلات الزراعية، وعرض الأدوات التي استخدمها المزارعون قديمًا في الحراثة والري والحصاد كما تستعرض البيئة الزراعية نظام المقايضة الذي كان سائدًا في الماضي، حيث كان البيع والشراء يتم من خلال تبادل السلع والمنتجات بين الأهالي ، وهو ما يعكس روح التكافل والترابط والتعاون التي ميزت المجتمع الظفاري قديمًا.
وتستعرض البيئة الريفية تجسيد جانبًا مهمًا من أنماط الحياة في جبال محافظة ظفار، حيث تعرض البيت الريفي التقليدي الذي كان أحد أهم أركان حياة الأهالي قديمًا ، وقد شُيّد من المواد الطبيعية المتوفرة محليًا مثل الطين والحجارة والأخشاب ويضم البيت عددًا من الأدوات التي استخدمها السكان في حياتهم اليومية، مثل القربة لحفظ المياه، والأوعية المصنوعة من سعف النخيل، وغيرها من الأدوات البسيطة التي تعكس طبيعة الحياة في ذلك الزمن كما تقدم البيئة الريفية طرق إعداد بعض الأكلات ومن أبرزها المضبي وطبخ اللحم المجفف الذي جفف على فروع الشجر وكذلك طبخ الحليب الذي يعد بطريقة تقليدية باستخدام الحجارة الساخنة، إلى جانب ارتداء الملابس التراثية وهي ما تسمى الصبيغة (النيلية) التي تعد من الأزياء التي ارتداها الرجال والنساء، إضافة إلى الخنجر أوالمحفيف الذي كان يستخدمه الرجال ضمن مكونات الزي التقليدي. وتعكس هذه العناصر موروثًا عُمانيًا أصيلًا حافظت عليه الأجيال المتعاقب كما تقدم البيئة صورة حية عن حياة سكان الجبال قديمًا، حيث تعرض البيوت المبنية من القش والحجارة والطين والتي كانت تتميز باعتدال الأجواء في الصيف والدفء خلال الشتاء باستخدام طبقات من القش ومادة التربال لعزل البرودة كما تضم البيئة مرافق الحياة القديمة مثل بيوت الماشية والمخازن التقليدية لحفظ المؤن والغذاء والحافظة الجلدية المصنوعة من جلد الغنم لحفظ الطعام وتزخر البيئة الجبلية أو الريفية بالفنون الشعبية التي ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية، ومن بينها فن ( الرقيد) الذي يؤديه الرجال في الأعراس، وفن ( إيلي مقبول) الذي يقدم بشكل ثنائي، وفن (النانا) وهو فن شعبي غنائي يؤدى فرديًا أو ثنائيًا، إضافة إلى (الدبرارت) الذي يقدم بصورة ثنائية أو جماعية ليكون محاورة شعرية يتبادل فيها شاعران أو أكثر الشعر ملحنا لتجسد هذه الفنون ثراء الموروث الشعبي في جبال ظفار كما يمارس الاطفال بعض الالعاب الشعبية مثل الطاب .أما البيئة البدوية فتنقل الزائر إلى حياة الصحراء وما ارتبط بها من صفات الكرم والشجاعة والتكافل، حيث تنقسم البيئة إلى قسمين الأول يعرض الخيمة البدوية المصنوعة من صوف الحيوانات مجلس الضيافة الذي يستقبل فيه أهل البادية ضيوفهم، في صورة تعكس مكانة الضيافة في المجتمع البدوي لتقديم القهوة كما يضم معرضًا خاصًا باللبان يستعرض نموذج من شجرة اللبان ومراحل استخراجه وجمعه ورحلته عبر قوافل التجارة القديمة إلى مختلف دول العالم إضافة إلى عرض الصناعات التقليدية التي اشتهر بها أهل البادية، مثل السعفيات، والفخاريات، وصناعة الجلود، و(القربة) التي تستخدم لحفظ الماء


والقسم الثاني يوضح الحياة اليومية حيث يضم الخيمة التي كان يعيش فيها أهل البادية والمطبخ المبني بالحجارة إلى جانب الملابس البدوية التقليدية مثل الخنجر والخيزام الذي يربط على الرأس وتقدم البيئة البدوية كذلك عددًا من الفنون الشعبية مثل فن (التغرود) الذي كان يردد أثناء رحلات قوافل اللبان للتخفيف من مشقة السفر، وفن (ميراد الإبل وفن شداد الإبل)، وهما من الفن الحماسي إضافة إلى فن (الهبوت) الذي يؤدى في المناسبات الاجتماعية كما تجسد مراسم الزواج القديمة وعادة المغبور التي كانت تتمثل في تقديم الإبل والأغنام هدية للعريس مساهمة في مساعدته .
وتأخذ الدكاكين القديمة الزوار في رحلة إلى تفاصيل الحياة اليومية في الماضي، حيث تستعرض محل الخياط الذي يحتوي على ماكينة خياطة قديمة وأقمشة تراثية وملابس تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ويقدم الخياط طريقة تفصيل الملابس النسائية كما كانت قديمًا، مع التعريف بمسميات الأقمشة الشعبية مثل “أبو تفاحتين”.
كما تضم الدكاكين، البقالة القديمة بما تحتويه من منتجات كانت تباع في الماضي مثل زجاجات المشروبات الغازية القديمة، أما الاستوديو القديم فيعرض أدوات التصوير القديمة التقليدية ومرحلة طبع الصور التي كانت توثق ملامح الحياة في الماضي، إضافة إلى عيادة (الدختر) الطبيب الشعبي الذي يعرض طرق العلاج بالطب الشعبي والأدوات والاعشاب والزيوت الطبيعية التي كانت تستخدم قديما في العلاج
ومكتب البريد القديم بما يضمه من عرض رحلة توصيل البريد والطوابع القديمة أما (الكتّاب) أو المدرسة القديمة فتعرض بدايات التعليم للأطفال وتحفيظ القرآن الكريم
إلى جانب بيت الوالي الذي يعكس دوره في متابعة أحوال الأهالي وحل قضاياهم حيث يتجول يوميا في المنطقة ويذهب إليه الناس لطرح شكواهم ومشاكلهم عليه ليحلها
ويحتضن الموقع كذلك سوق الفرضة، الذي يمثل إضافة مميزة ضمن فعاليات “عودة الماضي”، ويعيد للزوار أجواء الأسواق القديمة من خلال مشاركة الأسر المنتجة، لعرض منتجاتهم المحلية والتعريف بها ويضم منتجات الحرف اليدوية والصناعات التقليدية إلى جانب المأكولات الشعبية الظفارية، واللبان، والبخور، والعطور، والمجامر، والملابس بجميع أنواعها ، والاكسسوارات النسائية .


كما يضم الموقع ركن جمعيات المرأة العُمانية الذي يجسد هوية المرأة العُمانية ودورها في الحفاظ على التراث والموروث الشعبي، بمشاركة جمعيات المرأة العُمانية من عشر ولايات بمحافظة ظفار، من بينها صلالة، وطاقة، وغيرها من الولايات حيث تعرض كل ولاية منتجاتها التي تشتهر بها، مثل العطور، والملابس التقليدية، والمشغولات اليدوية، والحرف النسائية، والأكلات الشعبية، في لوحة تعكس تنوع التراث الظفاري وإبداع المرأة العُمانية.
ويشهد مسرح “عودة الماضي” يوميًا أمسيات وسهرات سمر تقدمها فرقة المزيونة للفنون الشعبية وفرقة الشاطئ تتصدرها عروض فن البرعة إلى جانب عدد من الفنون والألعاب الشعبية الأخرى في أجواء تعيد للأذهان ملامح الزمن الجميل.
كما تحتضن فعالية “عودة الماضي” منطقة خاصة بالمطاعم والمقاهي، أُعدت بديكورات تراثية تعكس ملامح الحياة العُمانية القديمة، لتوفر للزوار تجربة فريدة تمزج بين أصالة المأكولات التقليدية وتنوع الأطباق الحديثة، في تناغم يعزز الطابع التراثي للفعالية ويثري تجربة الزائر

وتعد فعالية “عودة الماضي” واحدة من أبرز الوجهات التراثية في موسم خريف ظفار 2026، لتبرز الموروث الفني والثقافي للمحافظة وتتيح للزائر فرصة التعرف على البيئات الظفارية المختلفة وعاداتها وفنونها وحرفها، لتظل ذاكرة المكان حاضرة بروحها الأصيلة، ولتواصل الأجيال ارتباطها بجذور الآباء والأجداد.

التعليقات معطلة