جوائز للبيع… حين يُشترى المجد وتُذبح المعايير على منصة التكريم

4
جوائز

جوائز للبيع… حين يُشترى المجد وتُذبح المعايير على منصة التكريم

‏‏بقلم: المستشار الدكتور خالد السلامي

‏في المقال السابق “مؤتمرات للبيع…”، تحدثنا بصراحة عن المؤتمرات التي تحولت من منصات للمعرفة إلى مشروعات تجارية، وأشرنا إلى أولئك الذين جعلوا من القاعات والأساتذة والمتحدثين والشعارات أدوات لجمع المال، بدلاً من أن تكون وسائل لصناعة الوعي وخدمة المجتمع.
‏وقد لاقى المقال صدى واسعاً؛ لا لأنه قال شيئاً غريباً، بل لأنه نطق بما يعرفه كثيرون ويخشون قوله.
‏لكن تجارة المؤتمرات ليست سوى واجهة واحدة لمشكلة أكبر وأخطر.
‏فخلف بعض تلك المنصات، نشأت تجارة أخرى أكثر ضرراً، لأنها لا تبيع مقعداً أو تذكرة حضور فحسب، بل تبيع ما يفترض أنه لا يباع: التقدير، والاستحقاق، والإنجاز، والمكانة المعنوية.
‏نحن نتحدث عن تجارة الجوائز والتكريم.
‏عن تلك الظاهرة التي أصبح فيها المجد معروضاً للبيع، والدرع له سعر، والشهادة لها باقة، واللقب يمكن الحصول عليه بتحويل بنكي، أو رعاية مالية، أو شراء عدد من المقاعد، أو تحمل تكاليف حفل كامل.
‏حتى بات السؤال في بعض الفعاليات ليس: من يستحق التكريم؟
‏بل: من يستطيع دفع تكلفته؟
‏وهنا لا نتحدث عن حالات فردية عابرة، ولا عن أخطاء تنظيمية بسيطة يمكن تجاوزها، وإنما عن نمط يتسع ويتكرر حتى كاد يفرغ فكرة التكريم من معناها، ويحولها من اعتراف بالإنجاز إلى عملية تجارية كاملة الأركان.
‏لقد أصبحت بعض الجوائز لا تبحث عن المتميزين، بل تبحث عن الزبائن.
‏تصل الرسالة إلى الشخص قبل أن يعرف أحد إنجازاته، وقبل أن تطلع اللجنة المزعومة على سيرته، وقبل أن يتم تقييم عمله، ثم يقال له بكل أناقة: لقد تم اختياركم لنيل جائزة مرموقة.
‏يفرح الشخص في البداية، ويشعر بأن جهده قد حظي أخيراً بالتقدير، ثم تأتي المفاجأة في السطر الأخير:
‏يرجى سداد رسوم التسجيل.
‏أو شراء باقة التكريم.
‏أو تحمل تكلفة الضيافة.
‏أو حجز طاولة لكبار الشخصيات.
‏أو دفع رسوم إعلامية وتصويرية.
‏أو المشاركة بصفة راعٍ مقابل استلام الجائزة.
‏وهكذا تتحول الجائزة من تكريم للفائز إلى فاتورة عليه أن يسددها.
‏والأكثر إثارة للدهشة أن بعض الجهات لا تخجل من ذلك، بل تضع قائمة أسعار واضحة: درع عادي بسعر، درع ذهبي بسعر آخر، تكريم على المنصة بسعر، تكريم مع كلمة بسعر أعلى، صورة مع الشخصية الراعية للحفل لها باقة، وتغطية إعلامية مدفوعة لها باقة أخرى.
‏وكأننا لسنا أمام احتفاء بإنجاز، بل أمام قائمة خدمات في متجر.
‏اختر اللقب الذي يناسب ميزانيتك.
‏اختر حجم الدرع.
‏اختر موقعك في الصورة.
‏اختر عدد المرات التي سيذكر فيها اسمك.
‏ثم ادفع، واصعد إلى المنصة، وابتسم للكاميرا.
‏لكن ماذا عن الاستحقاق؟
‏ماذا عن الإنجاز الحقيقي؟
‏ماذا عن المعايير؟
‏ماذا عن الأشخاص الذين عملوا سنوات طويلة في صمت، وقدموا للمجتمع إنجازات حقيقية، ولم يطلب منهم أحد شراء درع حتى يعترف بهم؟
‏ماذا نقول لهم عندما يرون شخصاً لم ينجز شيئاً يذكر، يقف على منصة فاخرة، ويحمل لقباً كبيراً، فقط لأنه دفع أكثر؟
‏إن الخطر هنا لا يقع على شخص واحد، بل على منظومة القيم كلها.
‏عندما تباع الجوائز، لا يصبح غير المستحق مستحقاً، بل يصبح المستحق الحقيقي مظلوماً.
‏وعندما توزع الألقاب بلا ضابط، لا يرتفع من حصل عليها، بل تهبط قيمة اللقب نفسه.
‏وعندما يتحول التكريم إلى تجارة، فإننا لا نصنع قدوات، بل نصنع وهماً جماعياً، يظن فيه الناس أن كل من حمل درعاً عظيم، وكل من وقف على منصة مؤثر، وكل من أضيفت إلى اسمه صفة براقة صاحب إنجاز استثنائي.
‏لكن الحقيقة لا تصنعها الشهادات المطبوعة.
‏الحقيقة يصنعها العمل.
‏والتاريخ لا يحفظ أسماء من دفعوا أكثر، بل يحفظ أسماء من قدموا أكثر.
‏من المؤلم أن نرى اليوم ألقاباً كبيرة جداً، تمنح لأشخاص لا تتناسب تجاربهم معها، مثل: شخصية العام، قائد الإنسانية، سفير السلام، رائد التميز، أيقونة العطاء، أفضل شخصية مجتمعية، قائد عالمي، صانع التغيير، أو الشخصية الأكثر تأثيراً.
‏وكلها ألقاب قد تكون محترمة وعظيمة عندما تمنح وفقاً لمعايير جادة، لكنها تتحول إلى كلمات فارغة عندما توزع بالجملة.
‏فهل يعقل أن يكون لدينا عشرات من «شخصيات العام» في العام نفسه، ومن الجهة نفسها، وفي الحفل نفسه؟
‏هل يمكن أن يكون كل المدعوين قادة عالميين؟
‏هل كل من دفع تكلفة الحضور أصبح سفيراً للسلام؟
‏هل صناعة التأثير أصبحت بهذه السهولة؟
‏إن السلام ليس لقباً مطبوعاً.
‏والإنسانية ليست درعاً زجاجياً.
‏والقيادة ليست صورة على منصة.
‏والتأثير لا يقاس بعدد الإعجابات على منشور التكريم.
‏هذه القيم أكبر من أن تختصر في حفلة، وأسمى من أن تتحول إلى سلعة.
‏إن من يمنح لقباً كبيراً لشخص بلا استحقاق لا يجامله فقط، بل يخدعه.
‏يمنحه شعوراً زائفاً بأنه وصل، بينما هو لم يبدأ الطريق بعد.
‏ويجعله يصدق أن الصورة إنجاز، وأن التصفيق اعتراف، وأن اللقب حقيقة، بينما قد لا يكون الأمر أكثر من اتفاق مالي مغلف بعبارات التقدير.
‏وهذا أخطر أنواع التضليل؛ لأن الإنسان قد يصدق الوهم الذي اشتراه.
‏وربما يبني عليه حضوره العام، ويقدمه في سيرته، ويستخدمه للتأثير في الآخرين، ويتعامل معه وكأنه اعتراف مهني أو علمي أو مجتمعي موثق.
‏ثم تتراكم الألقاب، وتزدحم السير الذاتية بعبارات ضخمة، بينما تغيب الأعمال الحقيقية التي تثبتها.
‏لا أحد يسأل: من منح الجائزة؟
‏ما تاريخ الجهة؟
‏من أعضاء لجنة التحكيم؟
‏ما مؤهلاتهم؟
‏ما عدد المرشحين؟
‏ما المعايير المستخدمة؟
‏هل توجد درجات تقييم؟
‏هل تم الاطلاع على أدلة الإنجاز؟
‏هل توجد نتائج منشورة بشفافية؟
‏هل يستطيع الفائز أن يوضح لماذا فاز، غير أنه تلقى اتصالاً يخبره بأن اسمه قد اختير؟
‏إن الجائزة المحترمة لا تخشى الأسئلة.
‏بل تفتخر بإجابتها.
‏تنشر معاييرها، وتعلن لجانها، وتفصل بين الرعاية والتحكيم، وتمنع تضارب المصالح، وتوضح أسباب الاختيار، ولا تضع يدها في جيب الفائز قبل أن تضع الدرع في يده.
‏أما الجائزة التجارية، فتهرب من التفاصيل.
‏تكثر من الحديث عن العالمية والريادة والتميز، لكنها لا تقدم وثيقة واحدة تشرح كيف اختير الفائزون.
‏تستخدم أسماء دول ومدن ومؤسسات كبيرة لإضفاء الهيبة على الحدث، بينما تظل الجهة المانحة نفسها غامضة، ومعاييرها غائبة، ولجنتها غير معروفة.
‏قد يقام الحفل في فندق فخم.
‏وقد يحضره عدد من الشخصيات العامة.
‏وقد تكون الإضاءة رائعة.
‏وقد تظهر أعلام دول متعددة في الخلفية.
‏لكن كل هذا لا يجعل الجائزة محترمة.
‏الجائزة لا تكتسب قيمتها من فخامة القاعة، بل من صرامة معاييرها.
‏ولا من عدد المصورين، بل من نزاهة لجنة التحكيم.
‏ولا من طول اسمها، بل من مصداقية من يمنحها.
‏ولا من سعر الدرع، بل من قيمة الإنجاز الذي يمثل ذلك الدرع.
‏إن بعض منظمي الجوائز يتعاملون بذكاء تسويقي واضح. يبدأون بمخاطبة رغبة الإنسان الطبيعية في التقدير. يرسلون له رسالة مليئة بالمدح، ويخبرونه أن لجنة دولية رصدت إنجازاته، وأن اسمه اختير من بين عدد كبير من الشخصيات.
‏ثم يمنحونه مهلة قصيرة لتأكيد المشاركة.
‏ثم تظهر الرسوم.
‏ويقال له إن المبلغ ليس ثمناً للجائزة، وإنما رسوم تنظيم، أو تكلفة ضيافة، أو مساهمة إعلامية، أو رسوم إصدار الشهادة.
‏وقد يكون تغيير الاسم على الفاتورة محاولة لتغيير الحقيقة، لكنه لا يغيرها.
‏عندما لا يحصل الشخص على التكريم إلا بعد الدفع، فهناك علاقة مالية مباشرة يجب التصريح بها بوضوح.
‏وعندما تكون فرصة الفوز مرتبطة بشراء رعاية، فهذه ليست جائزة بالمعنى الأخلاقي، بل منفعة دعائية مدفوعة.
‏لا بأس أن تنظم جهة حفلاً تجارياً وتبيع باقات ظهور وإعلان، فهذا نشاط يمكن فهمه ما دام معلناً بصدق.
‏لكن الخطأ أن يسمى الإعلان إنجازاً.
‏وأن تسمى الرعاية فوزاً.
‏وأن يسمى الدفع استحقاقاً.
‏وأن تقدم الصفقة للجمهور باعتبارها تكريماً مستقلاً ومحايداً.
‏المشكلة ليست في المال وحده، بل في التضليل.
‏في خلط الأوراق عمداً بين من فاز لأنه يستحق، ومن صعد لأنه دفع.
‏بين من اختارته لجنة مستقلة، ومن اختار الباقة الأغلى.
‏بين من صنع أثراً في المجتمع، ومن اشترى مساحة في برنامج الحفل.
‏هذا الخلط يهدم الثقة.
‏بل إنه يسيء حتى إلى الأشخاص المستحقين الذين قد يكرمون في الفعالية نفسها؛ لأن الجمهور لن يستطيع التفرقة بين من استحق ومن دفع.
‏وهكذا يلوث التكريم التجاري سمعة الجميع.
‏يصبح الدرع موضع شك.
‏وتصبح الشهادة محل تساؤل.
‏ويصبح كل فائز مطالباً بالدفاع عن نفسه وإثبات أن جائزته لم تكن مدفوعة.
‏وهذا ظلم كبير للمتميزين الحقيقيين.
‏لذلك فإن مكافحة تجارة الجوائز ليست هجوماً على التكريم، بل دفاع عنه.
‏وليست تقليلاً من قيمة الفائزين، بل حماية للفائز الحقيقي من أن يساوى بمن اشترى مكانه على المنصة.
‏وليست حرباً على المنظمين، بل مطالبة لهم باحترام المعايير التي تمنح عملهم قيمة.
‏نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الاستحقاق.
‏نحتاج أن يفهم الجميع أن التكريم نتيجة، وليس هدفاً في حد ذاته.
‏فالإنسان لا يعمل ليجمع الدروع، بل يعمل ليصنع أثراً.
‏ولا يخدم المجتمع حتى تضاف الألقاب إلى اسمه، بل لأن خدمة المجتمع مسؤولية وقيمة.
‏ولا يصبح عظيماً لأن شخصاً ناداه على منصة، بل لأن أعماله جعلت الناس يرون عظمته قبل أن يعلنها مقدم الحفل.
‏المشكلة أن بعض الناس أصبحوا يطاردون الجوائز بدلاً من أن تطاردهم الجوائز.
‏يتنقلون من حفل إلى حفل، ومن لقب إلى لقب، ومن صورة إلى صورة، حتى تصبح حياتهم العامة سلسلة من التكريمات التي لا يعرف أحد سببها.
‏قد ترى الشخص مكرماً هذا الأسبوع بوصفه خبيراً في مجال، ثم يكرم في الأسبوع التالي بوصفه رائداً في مجال آخر لا علاقة له بالأول، ثم يظهر في الشهر نفسه بلقب إنساني أو إعلامي أو دبلوماسي أو ثقافي.
‏وعندما تسأل عن المشروع الذي نفذه، أو الكتاب الذي أصدره، أو المبادرة التي قادها، أو المؤسسة التي طورها، أو الأثر الذي تركه، لا تجد إجابة توازي حجم الألقاب.
‏هذا ليس نجاحاً.
‏هذا تضخم في المظهر، وفقر في المضمون.
‏والأشد خطراً أن الصمت عن هذه الظاهرة شجعها على التمدد.
‏فكلما دفع شخص وحصل على لقب، رأى آخر الصورة وأراد مثلها.
‏وكلما انتشرت صورة درع، ظن الناس أن صاحبه سبقهم، فسارع بعضهم إلى شراء درع آخر.
‏وبذلك تنشأ سوق كاملة تقوم على المقارنة والبحث عن الوجاهة.
‏المنظم يبيع.
‏والمكرم يشتري.
‏والجمهور يصدق الصورة.
‏ثم تتكرر الدورة.
‏لكن القيمة الحقيقية لا يمكن تصنيعها بهذه الطريقة.
‏قد تشتري منصة، لكنك لا تشتري احترام الناس.
‏قد تشتري لقباً، لكنك لا تشتري تاريخاً.
‏قد تشتري تصفيقاً، لكنك لا تشتري أثراً.
‏قد تشتري خبراً صحفياً مدفوعاً، لكنك لا تشتري ثقة المجتمع.
‏وقد تنجح في خداع بعض الناس لبعض الوقت، لكنك لن تستطيع خداع الجميع طوال الوقت.
‏لأن الإنجاز الحقيقي له علامات واضحة.
‏له نتائج.
‏له مستفيدون.
‏له أرقام.
‏له مشروعات.
‏له شهادات من الواقع، لا من الورق فقط.
‏له أثر يبقى عندما تختفي الصور، وتنطفئ الإضاءة، ويوضع الدرع على رف يملؤه الغبار.
‏إن الدفاع عن المعايير واجب على الجميع.
‏على المؤسسات الإعلامية ألا تنشر أخبار الجوائز كما تصل إليها دون تحقق، وكأن كل لقب مدفوع حقيقة لا تقبل النقاش.
‏فمجرد إرسال بيان صحفي لا يحول الادعاء إلى إنجاز.
‏وعلى الصحافة المهنية أن تسأل: ما طبيعة الجائزة؟ من الجهة التي تمنحها؟ ما معاييرها؟ هل دفع المكرم رسوماً؟ هل كان راعياً للحدث؟ هل توجد لجنة تحكيم مستقلة؟
‏هذه الأسئلة ليست تشهيراً بأحد، بل جزء من مسؤولية الإعلام في حماية الجمهور من التضليل.
‏كما يجب على المؤسسات الحكومية والخاصة والجمعيات المهنية أن تتنبه إلى الألقاب التي يقدمها الأفراد في سيرهم الذاتية.
‏ليس كل ما يسمى جائزة دليلاً على التميز.
‏وليس كل لقب دولي صادراً عن مؤسسة دولية حقيقية.
‏وليس كل تكريم اعترافاً مستقلاً.
‏ينبغي التدقيق في المصدر، والمعايير، وطبيعة العلاقة المالية بين الفائز والجهة المانحة.
‏كذلك تقع مسؤولية كبيرة على الشخص نفسه.
‏فليس كل تكريم يعرض عليك يجب أن تقبله.
‏ورفض جائزة مشبوهة قد يكون أكثر شرفاً من قبولها.
‏بل إن الشخص الواثق من عمله لا يحتاج إلى شراء الاعتراف بنفسه.
‏عندما تصلك دعوة تكريم مقرونة برسوم، اسأل.
‏وعندما يقال إنك فزت، اطلب المعايير.
‏وعندما يطلب منك أن تصبح راعياً حتى تستلم الجائزة، فافهم حقيقة العرض.
‏وعندما تجد أن عشرات الأشخاص حصلوا على اللقب نفسه في الليلة ذاتها، فلا تنخدع ببريق الكلمات.
‏ليس عيباً أن تعتذر.
‏العيب أن تعرف الحقيقة، ثم تدفع، ثم تقدم الأمر للجمهور كأنه انتصار مهني مستقل.
‏إن احترام الإنسان لنفسه يبدأ من احترامه لسيرته.
‏فالسيرة الذاتية ليست معرضاً للألقاب، بل سجل للأعمال.
‏وكل لقب يضاف إليها يجب أن يكون قابلاً للدفاع عنه.
‏من منحك هذا اللقب؟
‏ولماذا؟
‏وبناء على ماذا؟
‏وماذا قدمت حتى تستحقه؟
‏إن لم تكن الإجابات مقنعة، فاللقب لن يرفعك، بل قد يتحول يوماً إلى سؤال محرج.
‏ولأننا في دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة التي بنت حضورها العالمي على الإنجاز الحقيقي، فإن مسؤوليتنا أكبر في حماية اسمها من أن يستخدم غطاءً لجوائز تجارية ضعيفة.
‏لا يكفي أن يقام الحفل في دبي أو أبوظبي أو الشارقة حتى تصبح الجائزة إماراتية موثوقة.
‏اسم المدينة ليس شهادة اعتماد.
‏والفندق ليس جهة تحكيم.
‏وحضور شخصية معروفة لا يعني أن كل ما يمنح في الحفل خضع لمعايير دقيقة.
‏الإمارات دولة صنعت نموذجاً عالمياً في التميز، ولذلك يجب ألا يسمح بأن يستغل البعض هذا الرصيد المعنوي لتسويق جوائز لا تليق باسم المكان الذي تقام فيه.
‏نحتاج إلى قواعد واضحة.
‏نحتاج إلى إلزام الجهات المنظمة بالإفصاح عن رسوم الترشيح والتكريم.
‏نحتاج إلى فصل كامل بين الرعاية والفوز.
‏نحتاج إلى نشر أسماء لجان التحكيم ومؤهلات أعضائها.
‏نحتاج إلى إعلان المعايير والأوزان وطرق التقييم.
‏نحتاج إلى توضيح عدد المرشحين في كل فئة.
‏نحتاج إلى منع استخدام أوصاف مثل «دولية» و«عالمية» و«رسمية» دون سند حقيقي.
‏ونحتاج إلى محاسبة من يبيع الوهم للناس، أو يمنح ألقاباً توحي باعترافات رسمية أو مهنية ليست موجودة في الواقع.
‏فالسوق لا ينظم نفسه دائماً.
‏وعندما تتحول الثقة العامة إلى ضحية، يصبح وضع الضوابط ضرورة.
‏كما نحتاج إلى ميثاق شرف للتكريم والجوائز، يقوم على مبادئ بسيطة وواضحة: لا جائزة مقابل الدفع، لا رعاية مقابل الفوز، لا لجنة مجهولة، لا معايير سرية، لا ألقاب مضللة، ولا استغلال لرغبة الناس في التقدير.
‏إن الجائزة التي تخشى الشفافية ليست جائزة جديرة بالاحترام.
‏والجهة التي لا تستطيع شرح سبب اختيار الفائز لا يحق لها أن تطلب من المجتمع احترام اختيارها.
‏والتكريم الذي ينهار أمام سؤال واحد عن المعايير، لم يكن تكريماً من البداية.
‏ربما يقول البعض إننا نبالغ، وإن الأمر مجرد حفلات بسيطة لا تضر أحداً.
‏لكن الحقيقة أن تدمير المعايير يبدأ دائماً بأمور يقال عنها بسيطة.
‏عندما نقبل بجائزة تباع، نقبل ضمناً بأن الاستحقاق يمكن شراؤه.
‏وعندما نصفق للقب بلا أساس، نشارك في خداع المجتمع.
‏وعندما ننشر صور التكريم دون معرفة حقيقته، نمنح التجارة شرعية لا تستحقها.
‏الضرر ليس لحظياً فقط.
‏الضرر يمتد إلى الأجيال الجديدة التي ترى أن الطريق إلى النجاح لا يحتاج إلى دراسة أو عمل أو صبر أو إنجاز، بل يحتاج إلى معرفة المنظم المناسب ودفع المبلغ المناسب.
‏أي رسالة نقدمها لشبابنا عندما يرون الألقاب تباع؟
‏كيف نقنعهم بأن الاجتهاد مهم، بينما يحتل المنصات من يملك المال لا من يملك الإنجاز؟
‏كيف نطلب منهم احترام الجوائز، ونحن نسمح بتوزيعها بهذه الصورة؟
‏إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو أن يفقد ثقته في رموز التقدير.
‏فعندما يصبح الجميع مكرمين، لا يعود التكريم يعني شيئاً.
‏وعندما يصبح الجميع قادة، تضيع القيادة.
‏وعندما يصبح الجميع مؤثرين، يفقد التأثير معناه.
‏وعندما يصبح الجميع استثنائيين، تصبح الاستثنائية كلمة عادية.
‏القيمة تحتاج إلى الندرة.
‏والتكريم يحتاج إلى التمييز.
‏والجائزة تحتاج إلى منافسة حقيقية.
‏أما توزيع الألقاب لإرضاء الجميع، فليس عدلاً ولا كرماً، بل إهانة للمعايير.
‏لسنا ضد أن يفرح الناس.
‏ولسنا ضد أن يحتفل المجتمع بأبنائه.
‏ولسنا ضد الدروع والشهادات والحفلات.
‏لكننا ضد أن يتحول الفرح إلى خداع.
‏وضد أن تتحول الشهادة إلى سلعة.
‏وضد أن تتحول المنصة إلى متجر.
‏وضد أن يصبح الثناء بديلاً عن التقييم.
‏وضد أن يسلب المال المجتهدين حقهم في التقدير.
‏نريد تكريماً يفرح به صاحبه لأنه يعرف أنه استحقه.
‏نريد جائزة يخشاها الطامحون ويحلمون بها؛ لأن طريقها صعب، لا لأنها متاحة لمن يدفع.
‏نريد درعاً يحمل تاريخاً، لا إيصالاً مالياً.
‏نريد لقباً يضيف إلى صاحبه، ويضيف صاحبه إليه.
‏ونريد منصات لا يصعد إليها إلا من يملك ما يقوله وما يقدمه وما يثبت أنه صنع فرقاً.
‏قد يكون هذا الكلام قاسياً على بعض الجهات.
‏لكنه أقل قسوة من الظلم الذي يقع على أصحاب الإنجاز الحقيقي.
‏وأقل قسوة من أن يستيقظ المجتمع يوماً ليكتشف أن كثيراً مما كان يراه تكريماً لم يكن سوى دعاية مدفوعة.
‏نحن لا نوبخ من أجل التوبيخ.
‏ولا نهاجم من أجل الشهرة.
‏ولا نبحث عن خصومة مع أحد.
‏نحن ندافع عن معنى.
‏ندافع عن العدل.
‏ندافع عن قيمة العمل.
‏ندافع عن حق المبدع الحقيقي في ألا يساوى بمن اشترى لقباً.
‏وندافع عن حق المجتمع في أن يعرف الفرق بين الجائزة والصفقة.
‏رسالتنا إلى منظمي الجوائز واضحة:
‏اربحوا من التنظيم إن أردتم، لكن لا تبيعوا الاستحقاق.
‏احصلوا على الرعايات، لكن لا تجعلوا الرعاية طريقاً للفوز.
‏نظموا الحفلات، لكن لا تخدعوا الناس بألقاب أكبر من الحقيقة.
‏كرموا من يستحق، ولو لم يدفع درهماً واحداً.
‏واستبعدوا من لا يستحق، ولو عرض عليكم أكبر رعاية.
‏عندها فقط تصبح الجائزة محترمة.
‏ورسالتنا إلى كل من يعرض عليه تكريم مدفوع:
‏لا تشتر مجداً زائفاً.
‏فالدرع الذي تدفع ثمنه لن يمنحك قيمة لا يراها الناس في أعمالك.
‏واللقب الذي تحتاج إلى شرائه، ليس لقباً يستحق أن تحمله.
‏اجعل عملك يتحدث عنك.
‏واجعل المجتمع يطالب بتكريمك.
‏واجعل الجائزة تبحث عنك، لا أن تبحث أنت عن رقم حسابها المصرفي.
‏أما رسالتنا إلى الجمهور، فهي ألا ينخدع بالبريق.
‏اسألوا عن الإنجاز قبل أن تصفقوا للقب.
‏ابحثوا عن الأثر قبل أن تنبهروا بالدرع.
‏ميزوا بين من خدم الناس ومن اشترى صورة أمامهم.
‏فالمجتمع الواعي هو الحاجز الأخير أمام تجارة الوهم.
‏لقد حان الوقت لنقولها بلا خوف، ولكن بكل احترام:
‏بعض الجوائز لم تعد تكرم الإنجاز، بل تكرم القدرة على الدفع.
‏وبعض الألقاب لم تعد شهادات تقدير، بل منتجات تسويقية.
‏وبعض المنصات لا تصنع قادة، بل تصنع صوراً مؤقتة لأشخاص يريدون أن يبدوا قادة.
‏وهذا كله يجب أن يتوقف.
‏لأن الأوطان لا تبنى بالألقاب المشتراة.
‏والمجتمعات لا تتقدم بالدروع اللامعة.
‏والتاريخ لا يسأل كم شهادة علقتها على الحائط.
‏التاريخ يسأل: ماذا فعلت؟
‏من خدمت؟
‏ماذا غيرت؟
‏وأي أثر تركت بعد أن غادرت المنصة؟
‏إن كان لديك جواب حقيقي، فأنت لا تحتاج إلى شراء جائزة.
‏وإن لم يكن لديك جواب، فلن تنقذك ألف جائزة.
‏فالمجد الذي يُشتَرى ينتهي بانتهاء الحفل.
‏أما المجد الذي يَصنعه العمل، فيبقى حتى بعد رحيل صاحبه

التعليقات معطلة