كالشمس… نُشرق
ك. أ. عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس
نَخطو خَطواتٍ واثقةً جليّة، كوضوحِ الشمسِ حينَ تَتَبَلَّجُ في غُرَّةِ الفجر؛ لا نَرهَبُ الطَّريق، ولا نَنكُصُ أمامَ العَثَرات.
قَد يَطولُ الدَّربُ، وتَعتَرضُنا عَواصِفُ لَم نَحتَسِب لَها، وَنَعثُرُ مَرَّةً وبَعدَ مَرّة، حَتَّى نَحْسَبَ أنَّ المَسافَةَ بَينَنا وَبَينَ المَجدِ قدِ اتَّسَعَت. لَكِنَّنا مَعَ كُلِّ كَبوَةٍ نَزدادُ بَصيرةً؛ ونُدرِكُ أنَّ صِراطَ النَّجاحِ لا يَكونُ سَوِيًّا دَومًا، وأنَّ الإنجازَ الحَقَّ لا يُقاسُ بِعَدَدِ المَرّاتِ الَّتي سَلِمنا فيها مِنَ السُّقوط، بَل بِعَدَدِ المَرّاتِ الَّتي نَهَضنا فيها ونَفضنا غُبارَ الطَّريقِ لِنُكمِلَ المَسير.
كَم عَاثَرَتْنا المَصاعِبُ فَمَا ثَنَتْنا…
وَكَم أُغلِقَت دونَنا الأبوابُ فَمَا انثَنَينا…
وَكَم مِن خَطوَةٍ استَلهَمَت مِنّا صَبرًا أجمَل، وإيمانًا أعمَق، وَعَزيمةً لا تَعْرِفُ الاستِسلام!
وَمَعَ ذَلِك… مَضَينا واستَمَرَرنا.
إنَّنا حينَ نَعي وُجهَتَنا وتَستَبينُ لَنا الغايَة، تَغدو العَثَراتُ مُجَرَّدَ هَوامِشَ على حاشِيَةِ الطَّريق، وتَستَحالُ التَّحَدّياتُ دُروسًا، ويَغدو التَّأخيرُ فُرصَةً لإعادَةِ تَرئيبِ الخُطى، وَالفَشَلُ خِبرَةً تُعَلِّمُنا كَيفَ نَنتَصِرُ بِكِبرِياء.
إنَّ الهَدَفَ الجَليَّ يَمنَحُ الرُّوحَ قُوَّةً خَفِيَّة، تَدفَعُها لِمُواصَلَةِ السَّيرِ مَهما طالَ الأمَد. فَلَيسَ المَطْمَعُ أن يَكونَ الطَّريقُ مَفرُوشًا بِالوَرْد، بَل أنْ يَظلَّ الهَدَفُ وَهّاجًا في القَلبِ والعَقل. وَحينَ يَبقَى الهَدَفُ حَيًّا، لا تُربِكُنا كَثرَةُ المَسالِك، ولا تُفزِعُنا العَواصِف، ولا تُنسينا العَثَراتُ لِماذا بَدَأنا.
نَحنُ لا نَبتَغي طَريقًا خِلْوًا مِنَ التَّحَدّيات، بَل نَنسالُ في طَريقٍ يَقودُنا إلى ما نُؤمِنُ بِه.
قَد نَتَأخَّرُ… لَكِنَّنا لا نَتَوَقَّف.
وَقَد نَتعَبُ… لَكِنَّنا لا نَستَسلِم.
وَقَد نَسقُطُ… لَكِنَّنا نَنهَضُ أثبَتَ أركانًا، وأنفَذَ بَصَرًا.
فَما الحَياةُ إلا رِحلَةُ صُمود؛ أَنْ تَصِلَ رَغمَ كُلِّ شَيء، لا أنْ تَصِلَ بِسهولَة.
تِلكَ هِيَ الحَياة…
شُروقٌ بَعدَ دَيجور،
وَقُوَّةٌ بَعدَ خُوَر،
وأَمَلٌ يَنبَثِقُ مِن عُتمَةِ الإنتظار،
وَإنجازٌ جَليلٌ يُولَدُ مِن رَحِمِ أعتى التَّحَدّيات.
لِذَلِك… نَمضي؛
بِخُطىً ثابِتَة، وقُلوبٍ مُطمَئِنَّة، وغايَةٍ سامِقَة.
نَخطو كالشَّمس…
لا تَستَأذِنُ أحَدًا لِكَي تُشرِق، ولا يَرْثي لَها جَناحٌ لأنَّ غَيمَةً حَجَبَتها.
نَحنُ شَمسٌ… وَإنْ تَوارَيْنا خَلفَ الَغَمامِ لَحظَة، يَبقَى سَناءُنا حَاضِرًا، ويَأتي أوانُنا لِنَسطَعَ مِن جَديد.
ك. أ. عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس

