بيان استقالة وشهادة وفاء لمسيرة عطاء

6
بيان

بيان استقالة وشهادة وفاء لمسيرة عطاء

عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس

عضو مجلس إدارة الأولمبياد الخاص العُماني ورئيسة لجنة المبادرات باللجنة الفرعية بمحافظة ظفار

حين تتحول قضية الابن إلى رسالة مجتمعية

بعد مسيرة حافلة بالعمل التطوعي والإنساني، أعلن استقالتي من عضوية مجلس إدارة الأولمبياد الخاص العُماني، ومن رئاسة لجنة المبادرات باللجنة الفرعية بمحافظة ظفار، مختتمةً بذلك مرحلةً عزيزة من حياتي، بذلت فيها الجهد والوقت والفكر، إيمانًا برسالة الأولمبياد الخاص، وحق الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية في التمكين والدمج والمشاركة والإبداع.

لم تكن هذه المسيرة بالنسبة لي مجرد عضوية في مجلس إدارة أو رئاسة لجنة، بل كانت قضية إنسانية عشت تفاصيلها أمًّا لابني حسن، أحد الأشخاص ذوي متلازمة داون. ومن تجربتي معه انطلقت رسالة أوسع، حملتُها إلى المجتمع، وسعيت من خلالها إلى تغيير النظرة التقليدية للإعاقة، وإبراز قدرات أبنائنا ومواهبهم، وتعزيز حقهم في أن يكونوا شركاء فاعلين في الحياة.

لقد آمنت بأن الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى الفرص، ولا إلى من يتحدث عنهم فحسب، بل إلى من يفتح أمامهم الأبواب، ويمنحهم مساحة للمشاركة والتعبير وإثبات الذات.

ومن هنا انطلقت رسالتي التي اختصرتها في الشعار:

«ليست هناك إعاقة، بل إبداع وطاقة»

لم يكن هذا الشعار مجرد عبارة تُرفع في الفعاليات، بل كان قناعةً سعيت إلى تحويلها إلى عمل، من خلال الملتقيات والمحاضرات التوعوية والورش والأنشطة والمشاركات المجتمعية التي استهدفت تعزيز الدمج، وتوعية الأسر والمجتمع، وإبراز قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية.

أولًا: محطات من سجل المبادرات والإنجازات

2017 | قافلة أبطال ظفار

شكّلت قافلة أبطال ظفار محطة مهمة في مسيرة التعريف بأبطال الأولمبياد الخاص في المحافظة وتعزيز حضورهم المجتمعي والإعلامي. وكان ابني حسن، منذ طفولته، أحد الوجوه التي حملت هذه الرسالة، من خلال مشاركته الإعلامية وحضوره الذي عكس قدرة الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية على المشاركة والتواصل وإيصال رسالتهم إلى المجتمع.

2018–2025 | إحياء اليوم العالمي لمتلازمة داون

مثّلت المشاركات في إحياء اليوم العالمي لمتلازمة داون، على مدى هذه السنوات، محطة بارزة في مسيرة التوعية والشراكة المجتمعية، بالتعاون مع مراكز الوفاء بالمحافظة، والمراكز الحكومية والخاصة، وقطاع التربية والتعليم، بما في ذلك صفوف الدمج.

وكان الهدف تعزيز الوعي بمتلازمة داون، وإبراز قدرات الأشخاص ذوي المتلازمة، ودعم أسرهم، وتشجيع تقبلهم ودمجهم في المجتمع، والتأكيد على حقهم في التعليم والمشاركة والحياة الكريمة.

21 مارس 2022 | فعالية «أنا أستطيع، أنا أفوز»

فعالية حملت رسالة الثقة بالنفس والقدرة على الإنجاز، وسعت إلى تعزيز ثقافة التمكين، والتأكيد على أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على المشاركة والنجاح متى توافرت لهم الفرص والإمكانات المناسبة.

14 مارس 2023 | محاضرة توعوية حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

محاضرة توعوية ضمن النسخة الثالثة من الفعاليات المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، في مجمع السلطان قابوس الشبابي بمحافظة ظفار، بالشراكة مع الجهة المختصة الواردة في سجل الفعالية.

4–5 أكتوبر 2023 | ملتقى «قيم وهمم مبدعة للأشخاص ذوي الإعاقة»

ملتقى يبرز أهمية القيم الإنسانية والهمم المبدعة، ويسلط الضوء على قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، ويعزز فرص مشاركتهم وإظهار مواهبهم.

18 ديسمبر 2023 | محاضرة توعوية

محطة أخرى في مسار نشر الوعي المجتمعي بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز احترام حقوقهم وأهمية دعمهم ودمجهم.

1 يوليو 2025 | ورشة «نحو الشمول»

مشاركة تعزز مفهوم المجتمع الشامل الذي يتيح للجميع فرص المشاركة، ويعمل على إزالة الحواجز التي تحد من حضور الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المجالات.

8 يوليو 2025 | فعالية «أنا أستطيع، أنا أفوز»

تجددت من خلالها رسالة الثقة والقدرة، والتأكيد على أهمية توفير الفرص التي تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على تنمية مهاراتهم وإبراز إمكاناتهم.

11–20 أغسطس 2025 | «أبطال الإرادة يحلقون في سماء الفرح والتحدي»

فعالية تعكس روح الإصرار والتحدي، وتؤكد أهمية الأنشطة التي تجمع بين الفرح والمشاركة وتنمية القدرات وتعزيز الثقة بالنفس.

21 سبتمبر 2025 | مشاركة «إبحر. بحرية»

مشاركة ضمن محطات العمل المجتمعي التي تهدف إلى توسيع آفاق التجارب والأنشطة المتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حضورهم في المجتمع.

ثانيًا: محطات العطاء في عام 2026

17 أبريل 2026 | الأم المثالية على مستوى محافظة ظفار

شكّل حصولي على لقب الأم المثالية على مستوى محافظة ظفار محطة إنسانية أعتز بها في مسيرتي الشخصية والمجتمعية.

فهذا التقدير يحمل بالنسبة لي معنى يتجاوز التكريم؛ إنه انعكاس لرحلة أمومة ارتبطت بالإيمان بقدرات ابني حسن، والدفاع عن حقه في التعليم والدمج والمشاركة، والعمل على تحويل تجربتنا الأسرية إلى رسالة توعوية يستفيد منها الآخرون.

لقد كانت الأمومة دافعًا أساسيًا في مسيرتي، وكانت تجربة حسن مصدر إلهام لمواصلة العمل من أجل الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، إيمانًا بأن كل ابن يستحق فرصة، وكل أسرة تستحق الدعم، وكل موهبة تستحق أن تُرى وتُقدّر.

18 يونيو 2026 | المشاركة في تونس – «عُمان تعانق الذهب»

مثّلت مشاركتي في تونس محطة وطنية أعتز بها، في سياق الإنجازات والمشاركات المرتبطة بالأولمبياد الخاص العُماني.

فحين تحضر عُمان في المحافل الخارجية، فإنها تحمل معها طموح أبنائها وإصرارهم، وتؤكد أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على تمثيل وطنهم وإبراز إمكاناتهم في مختلف الميادين.

وكانت هذه المشاركة من المحطات التي أعتز بها في مسيرتي، بما تحمله من معاني الانتماء والاعتزاز بالوطن، والإيمان بقدرات أبطال الأولمبياد الخاص.

8 أغسطس 2026 | اللقاء التعريفي للأولمبياد الخاص العُماني بالشراكة مع اللجنة العُمانية لحقوق الإنسان

شكّل اللقاء التعريفي محطة مهمة في التعريف برسالة الأولمبياد الخاص العُماني، وتعزيز الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وإبراز أهمية الشراكة بين المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان والجهات العاملة في مجال التمكين والدمج.

وتأتي هذه المشاركة امتدادًا لقناعة راسخة بأن العمل المؤسسي والشراكات المجتمعية يمثلان ركيزة أساسية لحماية الحقوق، وتوسيع فرص المشاركة، وتعزيز حضور الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.

ثالثًا: الشراكة المجتمعية… أساس الاستدامة

إن ما أعتز به في هذه المسيرة ليس عدد الفعاليات وحده، بل ما حملته من إيمان بأهمية الشراكة المجتمعية، والعمل مع مختلف الجهات والمراكز والمؤسسات التعليمية والتأهيلية، بما يعزز حضور الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.

لقد كانت الشراكة مع مراكز الوفاء والمراكز الحكومية والخاصة، وقطاع التربية والتعليم وصفوف الدمج، ركيزة مهمة في إيصال الرسالة التوعوية، وتوسيع دائرة المشاركة، والتأكيد على أن مسؤولية التمكين لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود الأسرة والمؤسسات والمجتمع.

وقد سعيت من خلال المبادرات إلى أن تكون التوعية ممارسة مستمرة، وأن تتجاوز حدود المناسبات إلى بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بالاختلاف، وتحترم الإنسان، وتمنح كل فرد فرصة المشاركة وفق قدراته وإمكاناته.

رابعًا: حسن… من تجربة أسرية إلى رسالة مجتمعية

كان حسن حاضرًا في جوهر هذه الرسالة، لا لأنه ابني فحسب، بل لأنه يمثل قصة من قصص الإصرار واكتشاف الموهبة.

ومن مشاركته الإعلامية في طفولته ضمن قافلة أبطال ظفار، إلى اهتماماته الفنية ومواهبه، ظل يؤكد لي أن الإنسان لا ينبغي أن يُختصر في تشخيصه، وأن من حق كل طفل أن يُمنح الفرصة التي تساعده على اكتشاف نفسه وتنمية قدراته.

لقد علمتني رحلتي معه أن كل إنجاز، مهما بدا صغيرًا في نظر الآخرين، قد يكون خطوة عظيمة في حياة الأسرة والطفل، وأن تمكين الأبناء يبدأ من الإيمان بهم، ثم توفير البيئة التي تساعدهم على التقدم.

ومن هنا أصبحت قضايا الدمج، ومناهضة التنمر، ودعم الأسر، واكتشاف المواهب، ونشر الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، محاور أساسية في الرسالة التي سعيت إلى حملها.

خامسًا: كلمة وفاء عند ختام مرحلة

وإذ أعلن استقالتي من عضوية مجلس إدارة الأولمبياد الخاص العُماني ورئاسة لجنة المبادرات باللجنة الفرعية بمحافظة ظفار، فإنني أتقدم بالشكر والتقدير لكل من رافقني في هذه المسيرة، ولكل من أسهم في إنجاح المبادرات، وساند أبطال الأولمبياد الخاص، وآمن بحقهم في المشاركة والتمكين.

كما أتمنى للقائمين على الأولمبياد الخاص العُماني مواصلة مسيرة العمل والعطاء، وتطوير المبادرات، وتعزيز الشراكات التي تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية وأسرهم في محافظة ظفار وسائر محافظات سلطنة عُمان.

إن مغادرتي للموقع الإداري لا تعني مغادرتي للقضية، ولا نهاية ارتباطي برسالة إنسانية أصبحت جزءًا من تجربتي وحياتي. فالمناصب مسؤوليات تتعاقب، أما الأثر الصادق فيبقى، والكلمة التي تنطلق من إيمان حقيقي قد تواصل رحلتها حتى بعد انتهاء المسؤولية.

لقد كانت هذه السنوات رحلة من العمل والتعلم والتجربة، حملت فيها همّ الأبناء والأسر، وسعيت إلى أن يكون صوتهم مسموعًا، وأن تُرى قدراتهم، وأن تتسع أمامهم أبواب المشاركة والاندماج.

وأغادر موقعي اليوم وأنا أعتز بكل خطوة أسهمت في خدمة هذه الرسالة، وبكل شراكة دعمت أهدافها، وبكل مناسبة أتاحت لأبنائنا فرصة الظهور والمشاركة. وأتطلع إلى مواصلة العطاء المجتمعي والإنساني من مواقع أخرى، إيمانًا بأن خدمة الإنسان لا تتوقف عند منصب، وأن القضايا النبيلة أكبر من المواقع الإدارية.

«ليست هناك إعاقة، بل إبداع وطاقة»

شعار آمنت به، ورسالة حملتها، وقضية سأظل أعتز بها.

والله ولي التوفيق.

الأستاذة عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس كاتبة وشاعرة وباحثة تربوية سابقة و عضو مجلس إدارة الأولمبياد الخاص العُماني ورئيسة لجنة المبادرات باللجنة الفرعية بمحافظة ظفار

التعليقات معطلة