معرض “كسر الصمت”.. لقاء بصري يجمع الرسم والخزف

عمّان / قدم الخزاف الأردني رائد الدحلة والفنانة التشكيلية ريما البشير في معرضهما “كسر الصمت” أعمالاً تحيل إلى الذكريات والحكايات القديمة والمشاعر الإنسانية العميقة.
وتحولت أعمال المعرض المقامة في جاليري الأورفلي إلى حوار بين عالمين يجمعهما إدراك أن الفن قادر على منح الصمت صوتاً وذاكرة وحضوراً، وإذ ذاك تتحول المادة واللون إلى لغة إنسانية تتجاوز التعبير المباشر، وتفتح أمام المتلقي باباً واسعاً للتأمل والتفكير والتأويل.
وضم المعرض مجموعة من الأعمال التي تنوعت بين الرسم والخزف في لقاء بصري تتباين فيه الخامات وتتقاطع الهواجس حول ما يؤرق الإنسان وما يمنحه القدرة على التحدي والصمود.
ويشكل الطين عند الدحلة مادة ثلاثية الأبعاد تُبنى بالحجم والكتلة، ويتحدد أثرها بما يُحفَر عليها وما يتشقق فيها، أما اللوحة عند البشير فهي سطحٌ تُبنى عليه الصورة باللون والتكوين وتوزيع الشخصيات والظلال، وبين هاتين اللغتين يبقى السؤال المشترك؛ كيف يمكننا أن نودِع المادة كل ما نرغب في أن يقال من دون أن نقول شيئاً؟!
في أعمال الدحلة يتحول الطين إلى سجل للتجربة الإنسانية، وتتصدر السطوحَ آثارُ الحفر والتشققات والملامس الخشنة، وهي عناصر تنتمي إلى المعالجة الفنية للسطح قبل أن تكون زخرفة، فهي تستحضر ما تتركه الحياة من ندوب في الذاكرة والروح، وتُظهر الطين على حقيقته، بكونه مادة تجمع الهشاشة والصلابة معاً، وتغلب على تكوينات الفنان الدرجات الداكنة.
ويخدم هذا الاختيار اللوني مناخ العمل، ويمنح لحمَامة السلام الحضور الوحيد الناصع فيها، وعند ذاك يتحول رمز الحمامة إلى قوة بصرية مضاعفة، فهي لا تظهر عنصراً تزيينياً، بل تنبثق من قلب العتمة وتعمل كنقطة ضوء داخل التكوين، لتؤكد أن النور بإمكانه الانبعاث رغم قسوة الواقع. وهذا التباين بين الأبيض والخلفية الداكنة والسطح المحفور هو ما يصنع التوتر الذي يقوم عليه خطاب الدحلة البصري.
أما الفنانة ريما البشير فترتحل بنا من خلال أسطح لوحاتها، نحو عوالم إنسانية مشبعة بالتأمل والذاكرة، وتتداخل في لوحاتها الشخصيات والظلال، وتتجاور حالات الحضور والغياب في مشاهد تتأرجح بين الواقع والخيال، وهي تعتمد في ذلك على اللون والتكوين والإيماءات الصامتة بدل السرد المباشر، فتُترَك المشاعر لتُقرَأ في وضعية الجسد وعلاقته بالفراغ المحيط به.
وتمنح الفنانة التشكيلية بهذه الأدوات شخصياتها مساحة للتعبير عن العزلة والانتظار والانتماء والتأمل، ويظهر في بعض العناصر البصرية لديها، كالزهور والمفردات اليومية، حضور رمزي يشير إلى هشاشة الحياة واستمرارها في آنٍ، وتعمل هذه العناصر البسيطة كعلامات صغيرة داخل التكوين، تربط المشهد بالتجربة المعيشة وتخفف من تجريده وتقرّبه للواقع.


