اخبار ثقافية

حارب البحر

حارب البحر

ك.ش.أ. عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس

البحر ليس مجرد جغرافيا من ماء وملح؛ البحر ليس مجرد مساحة مائية، بل هو “مختبر الوجود” الأول. في مياهه تلتقي المتناقضات: إنه “الحياة” في أقصى تجلياتها. في عمقه يختبئ اللؤلؤ، وعلى سطحه تبحر الأرزاق، وفي تياراته يكمن الغدر، وفي فيضانه يتجسد الظلم. أن “تحارب البحر” لا يعني أن تجففه، بل أن تتعلم كيف تبحر فيه دون أن تفقد بوصلتك الأخلاقية.

ملوحة الظلم: حين يصير الموج سوطاً

البحر حين يطغى يمثل صورة الظالم. هو تلك القوة الغاشمة التي تعتقد أن حجمها يمنحها الحق في ابتلاع القوارب الصغيرة. الظالم كالبحر الهائج؛ لا يرى في الآخرين إلا “رعايا” أو “ضحايا”.

محاربة الظلم هنا ليست انتحاراً بين الأمواج، بل هي فعل صمود إدراكي. النصر ليس في كسر الموجة، بل في ألا تسمح لها بكسر إنسانك من الداخل. الهزيمة الحقيقية هي أن تتقبل “منطق البحر” وتصبح ظالماً مثله حين تشتد ريحك.

سيكولوجية الغدر: سكون ما قبل العاصفة

قد يتجسد البحر في صورة حبيب كاذب. هذا هو الوجه الأكثر إيلاماً؛ حيث يغريك البحر بصفائه وهدوئه، ويفتح لك أعماقه كحضن دافئ، حتى إذا ما أمنّت له وتوسطت العمق، سحب بساط الأمان من تحت قدميك.

الغدر ليس مجرد خديعة، بل هو “زلزال ثقة”. محاربة الحبيب الغادر تعني انتزاع الروح من “ملوحة الوعود الكاذبة”. إنها معركة الوعي الذي يدرك -بعد فوات الأوان أحياناً- أن ليس كل زُرقة سماءً، وليس كل اتساع أماناً.

لؤلؤ الرزق: المكافأة التي تسكن الخطر

ورغم كل هذا، يظل البحر هو خزانة الأرزاق. هذه هي المفارقة الكبرى: القوة التي قد تقتلك هي ذاتها التي تحمل لؤلؤك.

* اللؤلؤ: لا يطفو للكسالى، بل يسكن في القاع المظلم تحت ضغط هائل.

* الأصداف: هي حكمة الرزق؛ تخبرك أن الثمين لا يُنال إلا بصبر، وأن خلف كل صدفة صامتة حكاية كفاح.

الرزق في “بحر الحياة” ليس هبة مجانية، بل هو انتزاع مشروع من فم الأمواج. المحارب الحقيقي هو الذي يعرف متى يغوص ليقتنص فرصه، ومتى يطفو ليتجنب العواصف.

فلسفة النجاة: أن تخرج ولا تزال “أنت”

في نهاية المطاف، محاربة البحر هي ترتيب داخلي للقيم في مواجهة القسوة. نحن لا نحارب لنهزم الطبيعة، بل لنؤكد وجودنا.

* الظالم سيهدأ يوماً أو يغرق في طغيانه.

* الغادر سيجف ماء وجهه وتنكشف عورات أعماقه.

* والرزق سيظل نصيب الجسورين الذين لم ترهبهم ملوحة التجربة.

أخطر أنواع الغرق هو الذي يحدث “داخلك”؛ حين يتسلل اليأس إلى رئتيك، فتتوقف عن السباحة وتقبل بأن تكون مجرد زبد يذهب جفاءً. النجاة هي أن تخرج من لجة الحياة، وفي يدك لؤلؤة اليقين، وفي قلبك ندوب تفتخر بها، وفي عقلك حقيقة واحدة: “أنا أقاوم.. إذن أنا موجود”.

ك.ش.أ. بنت المنصب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى