أخبار محلية

النقد ليس عداوة: قراءة في سوء فهم الاختلاف

النقد ليس عداوة: قراءة في سوء فهم الاختلاف

بقلم: أحمد معروف اليافعي

في المجتمعات الحيّة، يُعدّ النقد أحد أهم أدوات التطوير والتقويم، ووسيلة أساسية لتصحيح المسارات وتعزيز الأداء. غير أن واقعنا يكشف عن إشكالية عميقة في فهم مفهوم النقد، حيث يُستقبل في كثير من الأحيان على أنه هجوم شخصي أو محاولة للإساءة، لا كحق مشروع أو ضرورة مجتمعية.

تكمن المشكلة الحقيقية في غياب ثقافة تقبّل الرأي الآخر، لا في النقد ذاته. فاختلاف الآراء ظاهرة صحية تعكس تنوّع الأفكار وتعدد وجهات النظر، بينما يؤدي رفض النقد إلى الجمود والخوف من التغيير. وفي المؤسسات الحكومية والخاصة، يصبح غياب النقد مؤشرًا على خلل إداري، إذ لا يمكن لأي منظومة أن تتطور دون مراجعة وتقييم مستمرين.

ولا يقتصر هذا الإشكال على المؤسسات فحسب، بل يمتد إلى مختلف المجالات، كالإعلام، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والأدب، والرياضة. فغياب النقد المتخصص يفقد العمل قيمته، ويجعل الجهد المبذول عرضة للتكرار والركود، مهما بلغ مستوى الخبرة أو التحصيل العلمي.

والمفارقة اللافتة أن كثيرًا من الأفراد يطالبون بالنقد لأنفسهم، لكنهم يرفضونه حين يُوجَّه إليهم. ويرجع ذلك إلى ثقافة مجتمعية تربط النقد بالتجريح، وتتعامل مع الناقد باعتباره مصدر إزعاج أو صاحب مصلحة شخصية، لا شريكًا في الإصلاح. هذا الفهم الخاطئ أسهم في إقصاء الأصوات الصادقة، وأوجد بيئة طاردة للنقد البنّاء.

وفي هذا السياق، يُلاحظ غياب الإعلام المرئي والمسموع القادر على تقديم برامج مباشرة وصريحة تناقش القضايا بوضوح وشفافية. إذ يسود التخوف من النقد المباشر، ومراعاة حساسية الضيوف واختياراتهم، بما ينسجم أحيانًا مع توجهات المسؤول الذي لا يفضّل الضجيج، ويعتمد أسلوب التوجيه والإرشاد أكثر من المواجهة الصريحة. لذلك جاءت أغلب برامجنا ذات طابع إرشادي تقليدي، في وقت يتردد فيه العاملون في الإعلام عن إبداء آرائهم بوضوح، خوفًا على مواقعهم المهنية، أو خشية إثارة الرأي العام.

إن الحاجة اليوم باتت ملحّة لبرامج تتبنى الصراحة والنقد المباشر، ولكن بأسلوب علمي مهني، قائم على التحليل وتقديم البدائل والحلول، وبمشاركة مختصين يسهمون في تحسين الأداء وتصحيح المسار. فإبداء الرأي المسؤول لم يعد خيارًا، بل ضرورة للتطوير، خاصة في عُماننا الحبيبة، حيث كُفلت حرية التعبير في إطار الاحترام، دون تجريح أو انتقاص أو تقليل من أي جهة أو شخص.

وعلى المختصين في مختلف المجالات أن يدركوا أن النقد البنّاء وسيلة رقابية إيجابية، تكشف مواطن القوة والضعف، وتشكل مصدرًا للتحليل والتفسير والتقويم. كما أن دعم المدارس النقدية الجادة، وتقدير أصحاب الرأي المتخصص، ومنحهم المكانة التي يستحقونها في مجتمعنا، يسهم في تنمية الوعي، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية والمجتمعية، وتعزيز ثقافة المساءلة والتطوير.

والنقد، بوصفه ممارسة فكرية، ليس فعلًا عشوائيًا، بل علم له أصوله ومدارسه، ويتطلب وعيًا ومسؤولية من الناقد والمتلقي على حد سواء. فالنقد البنّاء لا يهدف إلى الهدم، بل إلى كشف مكامن الخلل واقتراح البدائل، بينما يظل الرفض المطلق للنقد عائقًا أمام أي مشروع تنموي.

إن إعادة الاعتبار لثقافة النقد تبدأ من الاعتراف بحق الاختلاف، واحترام الرأي الآخر، والفصل بين الفكرة وصاحبها. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تحوّل النقد إلى فرصة للتطوير، لا إلى ساحة صراع.

وفي الختام، يبقى النقد قيمة حضارية لا غنى عنها، وشرطًا أساسيًا للنهوض والتقدم. فالنقد ليس عداوة، بل مسؤولية مشتركة، وركيزة لبناء مجتمع واعٍ قادر على تصحيح أخطائه وصناعة مستقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى