جغرافيا الصمت: ماذا يحدث للقصص التي لم تُقَل؟
جغرافيا الصمت: ماذا يحدث للقصص التي لم تُقَل؟
بقلم /أمل مطلق الحربي
“ليس هناك ألمٌ أعظم من حمل قصة لم تجد من يسمعها”؛ هذه الفكرة التي خلّدتها الشاعرة مايا أنجيلو وتجسدت في أوجاع شخصيات رواية عدّاء الطائرة الورقية، تضع الإصبع على الندبة الحقيقية في الروح البشرية. فالمعاناة الكبرى لا تكمن دائماً فيما وقع لنا من أحداث، بل في ذلك الثقل الذي نضطر لحمله وحدنا في زنزانة الصمت.
بعض القصص لا تقتلنا لأنها قاسية، بل لأنها بقيت سنوات طويلة تختنق داخلنا دون أن تجد “شاهداً” يحررها بإنصاته، فالقصص التي لا تُقال لا تتبخر أبداً، بل تخضع لقانون بقاء الألم؛ تبدأ كذكرى موجعة، ثم تتحول مع الوقت إلى صمت كثيف، ثم إلى شيء مادي يثقل الصدر ويضيق به التنفس، كغصة في الحلق تمنع بلع الريق أو تحجر في ملامح الوجه لا يذيبه بكاء.
هذا التحول الباطني هو ما يجعلنا نتأمل فلسفة “الحزن الصامت” التي برع الأدب الروسي في تصويرها؛ حيث يتعلم الإنسان كيف يبتسم وقلبه مثقل بالكسور، ليس كعلامة تعافٍ، بل كقناع احترافي يرتديه عندما يتعب من محاولات الشرح الفاشلة، أو عندما يوقن أن أحداً لن يفهمه كما ينبغي. إنه نوع من “الحزن المتخفي” الذي يظهر في صورة إنسان يبدو طبيعياً أكثر من اللازم؛ يذهب لعمله، يبتسم، ويمازح الآخرين، لكنه يعود في آخر الليل ليواجه ذلك الجزء العالق في حنجرته، والذي يترجمه الجسد أحياناً في صورة تعب لا سبب له، أو برودة مفاجئة في أطراف الأصابع، أو جفاء مباغت تجاه أشياء كان يوماً يحبها.
وربما لهذا السبب تحديداً، يتملكنا أحياناً ذلك الدافع الغريب لنحكي أسرارنا لإنسان لا نعرفه؛ لشخص عابر في قطار أو خلف شاشة لن نراه مرة أخرى. نحن لا نفعل ذلك لأننا نثق به، بل لأن الغريب يمنحنا “ورقة بيضاء” وقبولاً غير مشروط؛ فهو لا يملك صورة قديمة عنا، ولا يطالبنا بأن نكون أقوى مما نحن عليه، ولا يملك سلطة إطلاق الأحكام التي يملكها المقربون. الغريب يمنحنا فرصة نادرة لنكون “نحن” بلا رتوش ولو لمرة واحدة، فنفرغ أحمالنا في محطة عابرة ونمضي أخف قليلاً، هرباً من “مقصلة النصيحة” السطحية التي قوبلنا بها سابقاً حين حاولنا البوح، فسمعنا كلمات مثل “انسَ الأمر” التي تذبح الروح أكثر مما تداويها.
لكن الصمت ليس دائماً خياراً، بل هو أحياناً “رعب”؛ رعب من أن تخرج القصة فتعرّينا أمام الآخرين، أو تجعلنا نبدو ضعفاء بشكل لا يمكن استعادته. نحن نخشى “خيانة اللغة” وعجز الكلمات عن وصف بشاعة ما حدث، تماماً كما صوّره محمد شكري في الخبز الحافي من خلال حياة التهميش والقهر، حيث يكتشف المرء أن العالم قد يراك لكنه لا يسمعك أبداً، مما يدفع الإنسان لاختيار “الصمت الدفاعي” مفضلاً احتراق الداخل على سوء فهم الخارج.
لكن، وعلى عكس ما يظنه البعض بأن القوة تكمن في الكتمان دائماً، يعلمنا الإيمان أن البوح هو باب النجاة الأول؛ فيعقوب عليه السلام لم يتظاهر بالتماسك المزيف حين فقد يوسف، بل جهر بألمه قائلاً: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. هذه الآية هي الملاذ الأخير لكل قصة لم تجد من يسمعها؛ فإن ضاقت الأرض بكلماتك، فإن السماء تتسع لها دائماً.
إن أقسى ما يفعله الحزن بنا هو أنه يجعلنا نعتاد حمل ما كان يجب أن نتخفف منه، ويحولنا إلى مقابر للكلمات المخنوقة. لذا، لا تبقَ وحيداً داخل زنزانة نفسك إلى هذا الحد؛ ابحث عن قلب آمن، أو ورقة بيضاء، أو سجدة طويلة. وعلى الجانب الآخر، تذكر أن تكون ذلك المستمع الآمن للآخرين؛ فأن تكون مستمعاً ليس مجرد صمت، بل هو منح الآخر حق الوجود والاعتراف بألمه. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى نصيحة أو حلول باردة، بل يحتاج فقط إلى شعور واحد يرمم انكساره: أن أحداً ما، قد سمعه وفهمه أخيراً. ففي نهاية المطاف، القصص التي لا نحكيها، هي التي تكتب نهاياتنا في صمت.