أخبار محلية

سمات القيادة لدى جيل الطفرة السكانية (Baby Boomers): قيادة الخبرة والانضباط في عالم متغيّر

سمات القيادة لدى جيل الطفرة السكانية (Baby Boomers): قيادة الخبرة والانضباط في عالم متغيّر

كتبه/عيسى بن سالم البلوشي
صحار/ السبت ٢٠٢٦/٠٢/٠٧

جيل جيل الطفرة السكانية، المولود تقريباً بين عامي 1946 و1964، لا يمكن فهمه كفئة عمرية فقط، بل كحالة تاريخية تشكّلت في لحظة إعادة بناء للعالم بعد الحرب، حيث كان العمل مرادفاً للاستقرار، والوظيفة وعداً بالحياة الكريمة، والقيادة مسؤولية ثقيلة تُحمل على الأكتاف لا على الشعارات. في تلك البيئة، تشكّلت شخصية القائد جيل الطفرة السكانية بوصفه شخصاً يؤمن أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع بالصبر والانضباط والالتزام طويل الأمد، وأن الشرعية القيادية تُبنى عبر السنوات لا عبر الخطاب السريع أو الحضور الإعلامي.

قاد جيل الطفرة السكانية المؤسسات بعقلية البنّاء لا المغامر؛ كان يرى المنظمة ككيان يجب حمايته وتحصينه، لا مختبراً للتجربة المستمرة. لذلك ارتبطت قيادته بفكرة الاستمرارية، واحترام النظام، والولاء المتبادل بين الفرد والمؤسسة. لم يكن العمل لديه مجرد مصدر دخل، بل هوية اجتماعية ومكانة أخلاقية، ولهذا كان الحضور اليومي، والالتزام بالوقت، وتحمل الضغوط، مؤشرات أساسية على الجدية والجدارة. ومن هنا نشأ نمط قيادي واضح، مباشر، يعتمد على التعليمات الصريحة، والقرارات المركزية، والوضوح في المسؤوليات، وهو نمط منح الكثير من المؤسسات استقراراً طويل الأمد وقدرة عالية على الصمود.

في تواصله مع الآخرين، كان قائد جيل الطفرة السكانية يؤمن بقوة اللقاء المباشر، ونبرة الصوت، ولغة الجسد، ويعتبر العلاقة الإنسانية المبنية على الاحترام والالتزام المتبادل حجر الأساس لأي فريق ناجح. لم يكن شغوفاً بالضجيج، بل يفضّل الإنجاز الصامت، ويقدّر النتائج الملموسة أكثر من الخطط النظرية. كما حمل هذا الجيل إحساساً عميقاً بالمسؤولية الأخلاقية؛ فالقائد عنده قدوة قبل أن يكون مديراً، ومرجعاً سلوكياً قبل أن يكون صانع قرار.

ومع ذلك، فإن التحولات المتسارعة في العالم الرقمي وضعت هذا الجيل أمام اختبار غير مسبوق. ففي زمن العمل عن بُعد، والفرق الافتراضية، والتواصل الفوري، تغيّر معنى الحضور، وتبدّل مفهوم الالتزام، وأصبحت القيادة أقل ارتباطاً بالمكان وأكثر ارتباطاً بالأثر. هنا بدأ التباين بين فلسفة البيبي بومر القيادية وبين توقعات الأجيال الجديدة، التي تبحث عن المرونة، والمعنى، والتوازن بين الحياة والعمل، أكثر من بحثها عن الأمان الوظيفي التقليدي.

وتظهر نقاط ضعف جيل الطفرة السكانية بوضوح في مقاومة التغيير السريع، والاعتماد الزائد على الخبرة الماضية، وصعوبة التخلي عن المركزية في اتخاذ القرار، إضافة إلى تحديات التكيف مع الأدوات الرقمية والعمل الافتراضي، وأحياناً تفسير المرونة على أنها ضعف في الالتزام. كما قد يُساء فهم أسلوبهم الصارم من قبل الأجيال الأصغر بوصفه تسلطاً لا انضباطاً، مما يخلق فجوة تواصل إذا لم تُدار بوعي.

ورغم هذه التحديات، يبقى جيل الطفرة السكانية حارس الذاكرة المؤسسية، وصوت الحكمة في زمن السرعة، وقيمة مضافة لا يمكن الاستغناء عنها. فحين تُدمج خبرته مع مرونة الأجيال اللاحقة، وحين يُعاد تأطير قيادته ضمن نماذج أكثر إنسانية وتشاركية، يتحول من رمز للماضي إلى جسر للمستقبل. إن جيل الطفرة السكانية بومر، بكل ما تحمله من صرامة وعمق، تذكّرنا بأن القيادة ليست سباقاً نحو الجديد فقط، بل قدرة على حمل ما هو متين إلى عالم لا يكف عن التغيّر.

المرجع
Northouse, P. G. (2022). Leadership: Theory and practice (9th ed.). Sage Publications.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى