الضحكة الصفراء… حين يبتسم الوجه ويغيب المعنى

2
بنت المنصب

الضحكة الصفراء… حين يبتسم الوجه ويغيب المعنى

بقلم / بنت المنصب

في زحام الحياة، لا تأتي الضحكات جميعها من باب الفرح، ولا تُولد كلها في حضن القلب. هناك ضحكةٌ خفيفة، باهتة اللون، تمرّ على الشفاه مرور الظلّ، لا تترك أثرًا في الروح ولا صدى في الداخل… تلك هي الضحكة الصفراء.

هي ليست كذبًا فجًّا، ولا صدقًا نقيًا، بل منطقةٌ وسطى يتقنها الإنسان حين تضيق به مساحات التعبير. يضحك فيها لأنه “ينبغي” أن يضحك، لا لأنه “يريد”. وكأنها استجابةٌ تلقائية لمقتضيات الأدب الاجتماعي، أو درعٌ ناعم يقيه من حرج اللحظة وسؤال الآخرين.

الضحكة الصفراء تشبه زهرةً ذاب لونها تحت شمسٍ قاسية؛ ما زالت تحتفظ بشكلها، لكن روحها قد غادرتها. تظهر في المجالس حين يُقال ما لا يُضحك، فنبتسم كي لا نُحرج القائل، أو حين نُجامل موقفًا لا يمسّنا، فنُظهر اهتمامًا لا يسكننا. إنها ضحكةٌ “مؤدّبة”، لكنها باردة، لا تمتد إلى أعماقنا.

ولعلّ أخطر ما في هذه الضحكة أنها تُدرّب الإنسان على الانفصال عن ذاته؛ فمع تكرارها، يصبح الفرق بين ما يشعر به وما يُظهره أكثر اتساعًا، حتى يغدو التمثيل عادة، والصدق استثناء. فيضحك بوجهٍ لا يعكس قلبه، ويُجامل بصوتٍ لا يشبه داخله، وكأن بينه وبين ذاته ستارًا شفيفًا لا يُرى، لكنه يُثقل الروح.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للضحكة الصفراء دورًا في حفظ التوازن الاجتماعي؛ فهي أحيانًا لطفٌ ضروري، وتهذيبٌ مطلوب، وجسرٌ نعبر به فوق مواقف قد تُربكنا لو واجهناها بصدقٍ كامل. لكنها، إن تحولت إلى أسلوب حياة، سرقت من الإنسان عفويته، وأطفأت في داخله وهج التفاعل الحقيقي.

فالضحك، في جوهره، لغة القلب حين يفيض،

أما الضحكة الصفراء… فهي لغة الوجه حين يتأدّب.

وفي نهاية المطاف، يظلّ الإنسان محتاجًا إلى تلك الضحكة التي لا يُفكّر فيها، ولا يُخطّط لها، ولا يُجامل بها أحدًا؛ ضحكةٍ صادقة، تخرج من القلب فتُضيء الوجه، وتُعيد للروح اتزانها. لأن ما يُقال بالصدق يبقى، وما يُؤدّى بالمجاملة… يزول كأن لم يكن

بنت المنصب

التعليقات معطلة