الإنسان.. التربية والإيمان
بقلم: محمد رامس الرواس
في أمسيةٍ تربوية اتسمت بفيضِ المعرفة وسموِّ الغاية، احتضن مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة بصلالة، يوم الاثنين الفائت، ندوةً فكريةً بعنوان “الإنسان.. التربية والإيمان”، حلّق فيها الباحث والمفكر الإسلامي الدكتور سيف بن سالم الهادي بمدادٍ من الحكمة والتبصر. كانت المحاضرة بمثابة دعوة متجددة لإعادة قراءة هندسة التربية في ظل متغيرات العصر . مُستنهضةً فينا ضرورة التسلح بالوعي أمام “النسخة الجديدة” من جيلٍ يحملُ معارفَ متسارعة تستوجبُ من الآباء والمربين قراءةً واعية لا تتوقف عند حدود التوجيه، بل تمتد إلى عمق الاحتواء.
لقد وضعنا الدكتور سيف أمام حقيقةٍ ساطعة: إن التربية ليست مجرد تلقين، بل هي فنُّ المواءمة بين الأصالة والمعاصرة. فقد استعرض ببراعة المربي كيف تتطابق مناهج “المدرسة المحمدية” في تربية النشء مع أرقى نظريات التربية الحديثة؛ حيث كان اللطف، والصدق، والتحاور، ومنح المساحة للطفل للتعبير، هي الركائز التي قامت عليها سيرة المصطفى ﷺ. واشار الى إن التربية باللطف ليست ترفاً، بل هي مخاطبةٌ للفطرة الإيمانية التي فطر الله الناس عليها، حيث يظل الأب بمعاملاته هو الممثل الأول لهذه الفطرة في نظر أبناءه.
وفي تأصيلٍ علميٍ دقيق، فكك الدكتور سيف عقدة التأثيرات الجينية في تشكيل الشخصية سواء من ناحية الأب أو الأم ، مصححاً مفهوماً شائعاً؛ إذ أثبتت مراكز الأبحاث المتقدمة أن البيئة تسبق الجينات الوراثية في التأثير الاخلاقي والسلوك ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز الشراكة بين البيت والمدرسة، وتطوير أساليب التربية السلوكية وفق معايير بحثية تضاهي التجارب العالمية الناجحة، كالتجربة الفنلندية التي تقوم على مبدأ العدالة التربوية ، حيث لا تصنيف للطلاب بناءً على سرعة الحفظ، بل هناك إيمانٌ عميقٌ بأن الجميع أذكياء ومتساوون، وأن دور الأب هنا يشبه دور القاضي العادل الذي يزن الأمور بميزان الإنصاف والاحتواء.
وعند محطة سورة لقمان، توقف بنا الدكتور سيف عند منارات الحكمة؛ حيث التوحيد هو الأصل في الفطرة ، ثم تاتي المراقبة الذاتية وهي السياج، ثم العبادة هي الوقود الذي يُترجم إلى قيمٍ أخلاقية في المجتمع ، فالصلاة كما أوضح ليست طقساً معزولاً، بل هي صلةٌ تحول الفرد إلى طاقةٍ إيجابية، ومن كان أقرب إلى الناس في اخلاقه وسلوكه، كان -بلا شك- أقرب إلى الله متى ما ماج على صلاته .
لقد اختتم الدكتور سيف خارطة الطريق التربوية هذه بتذكيرنا بأن الأب لا يمكنه صناعة التغيير إلا حين يتحول إلى قدوة ، مشدداً على أن القيم التربوية الكبرى من تواصل، وتعاطف، ودعم، وتشجيع هي الخيوط التي تُنسج منها شخصية الإنسان المتوازن.
إن ما طرحه الدكتور سيف بن سالم الهادي في هذه المحاضرة القّيمة ليس مجرد تنظير تربوي، بل كانت دعوة للعمل، وتنبيهٌ لنا كأولياء أمور بأن التربية الإيمانية اليوم تتطلب منا صبراً جميلاً، وفهماً دقيقاً لتركيبة الطفل والإنسان .

