حين يُرهقنا الناس أكثر مما تُرهقنا الحياة

4
حين

حين يُرهقنا الناس أكثر مما تُرهقنا الحياة

د. رفعية الحجري

هناك أيام لا نشعر فيها بأننا متعبون من الحياة، بقدر ما نشعر أننا متعبون من بعض الناس.

من كلماتهم التي تأتي في غير موضعها، ومن أساليبهم التي تفتقر إلى الذوق، ومن مواقفهم التي تكشف لنا أن ما نحمله نحن من قيم ومبادئ، ليس بالضرورة موجودًا في قلوب الجميع.

أحيانًا نلتقي شخصًا نتعامل معه باحترام، ونمنحه من حسن الظن ما يكفي، ونحرص على ألا نجرحه بكلمة أو موقف، ثم نفاجأ منه بتصرف جارح، أو كلمة قاسية، أو أسلوب لا يليق.

والأصعب من الموقف نفسه أن يبقى أثره في داخلنا.

نعود إلى بيوتنا ونحن نفكر:
لماذا قال ذلك؟ لماذا تعامل معي بهذه الطريقة؟ هل أخطأت في حقه؟ هل كان يجب أن أصمت؟ هل بالغت في طيبتي؟

وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي.

فبعض الناس لا يؤذوننا لأنهم أقوى منا، وإنما لأنهم لا يملكون الوعي الكافي ليدركوا أثر أفعالهم في الآخرين.
يقولون الكلمات الجارحة ثم يمضون في حياتهم وكأن شيئًا لم يكن، بينما نحن نقضي ساعات نحاول أن نتجاوز ما قالوه.

هناك من يعتقد أن الصراحة تعني أن يقول كل ما يخطر في باله، حتى لو كان جارحًا.
وهناك من يظن أن القوة في رفع الصوت والتقليل من الآخرين.
وهناك من اعتاد أن يأخذ طيبة الناس على أنها ضعف، واحترامهم على أنه خوف، وصمتهم على أنه عجز.

لكنهم لا يعرفون أن الإنسان المهذب يستطيع أن يكون قويًا، وأن الصامت قد يكون أكثر وعيًا من كثير ممن يملؤون المكان ضجيجًا.

الأخلاق ليست في أن تعرف كيف تنتصر على الآخرين، بل في أن تعرف كيف تختلف معهم دون أن تهينهم، وكيف تغضب دون أن تجرح، وكيف تملك القدرة على الرد ثم تختار ألا تفعل.

لقد أصبحت أؤمن أن بعض الأشخاص لا يحتاجون منا إلى مواجهة طويلة، ولا إلى تبرير، ولا إلى محاولات مستمرة لإثبات أننا لم نقصد شيئًا سيئًا.

بعض الأشخاص يحتاجون فقط إلى مسافة.

مسافة تحفظ لنا هدوءنا، وتحمي قلوبنا من الاستنزاف، وتمنحنا فرصة لنفهم أن سلامنا النفسي أثمن من أن نضعه في يد شخص لا يعرف قيمته.

وليس الابتعاد عن بعض الناس تكبرًا، ولا يعني أننا نكرههم.

أحيانًا يكون الابتعاد هو أرقى أشكال الحفاظ على النفس.

فأنا لا أستطيع أن أُهذّب كل من حولي، ولا أستطيع أن أعلّم كل شخص معنى الاحترام، ولا يمكنني أن أجعل الجميع يحملون المبادئ نفسها التي أحملها.

لكنني أستطيع أن أختار كيف أتعامل معهم، وإلى أي حد أسمح لهم بالاقتراب مني، ومتى أضع حدًا يحمي راحتي.

وفي الحياة، سنلتقي أشخاصًا كثيرين؛ بعضهم سيكونون نعمة، وبعضهم درسًا، وبعضهم اختبارًا لصبرنا، وبعضهم سيعلموننا أن القلب الطيب يحتاج أيضًا إلى حدود. لذلك، عندما يؤلمك تصرف شخص لا يعرف قيمة الكلمة الطيبة، لا تجعل أخلاقه سببًا في تغيير أخلاقك.

لا تصبح قاسيًا لأن أحدهم كان قاسيًا معك.

ولا تفقد ثقتك بالناس لأن شخصًا لم يحترمك. ولا تسمح لموقف واحد أن يسرق منك ذلك الجزء الجميل الذي تحاول أن تحافظ عليه في داخلك.

كن كما أنت… لكن تعلّم أن تضع حدودًا.

سامح إن استطعت، وتجاوز إن استطعت، وابتعد حين يصبح القرب مؤذيًا. ثم امضِ في طريقك بقلب هادئ، وقل لنفسك: لن أسمح لسوء أخلاق أحد أن يجعلني أخسر أخلاقي، ولن أمنح تصرفًا عابرًا من إنسان عابر سلطةً على سلامي الداخلي.

فالحياة أقصر من أن نقضيها في تفسير تصرفات من لا يملكون حتى الرغبة في فهم مشاعرنا.

احفظ قلبك… ليس من الحب، بل أحيانًا من أولئك الذين لا يعرفون كيف يحترمون القلوب..

التعليقات معطلة