كيف ضاق معنى الحب؟
السؤال الثالث: كيف انتقل الحب من قيمة إنسانية واسعة إلى مفهوم يتركز increasingly حول الذات والاحتياج والاختيار؟
«تبدأ الفلسفة من السؤال لا من الجواب.»
بقلم: أحمد الحضرمي
حين نقول: الحب، ماذا نعني؟
قد تكون أول صورة تخطر في أذهاننا اليوم علاقة بين رجل وامرأة، انجذابًا، زواجًا، فراقًا، أو قصة عاطفية.
لكن هذه ليست كل الحكاية.
فالحب، في تاريخ الفكر الإنساني، لم يكن مفهومًا واحدًا ولا علاقة واحدة. وقد ميّزت الفلسفة بين صور متعددة للحب، مثل حب الصديق، وحب الوالد، والحب الرومانسي، كما ناقشت الحب بوصفه عاطفة، وقيمة، واهتمامًا حقيقيًا بالآخر. �
plato.stanford.edu
إذن، ربما لا يكون السؤال:
لماذا تغيّر الحب؟
بل سؤالًا أكثر إزعاجًا:
كيف ضاق مفهوم الحب حتى أصبحنا نراه غالبًا من نافذة العلاقة العاطفية وحدها؟
كان يمكن للإنسان أن يتحدث عن حب الأسرة، والصداقة، والجار، والإنسان، والرحمة، والوفاء، والعطاء، والانتماء، ومحبة الخير.
أما اليوم، فكثيرًا ما يُختزل الحب في سؤال آخر:
هل أشعر بالحب؟
وهنا يحدث تحول دقيق.
ننتقل من الحب بوصفه فعلًا واتجاهًا نحو الآخر إلى الحب بوصفه تجربة داخلية نريد أن نشعر بها نحن.
وهذه ليست ملاحظة عابرة.
فالفيلسوف وعالم النفس الاجتماعي إريك فروم، في كتابه فن الحب الصادر عام 1956، لم يتعامل مع الحب باعتباره مجرد شعور ينتظر الإنسان أن يقع فيه، بل ناقش الحب باعتباره قدرة وممارسة، وربط الحب الناضج بعناصر مثل العناية والمسؤولية والاحترام والمعرفة. كما تناول أشكالًا متعددة للحب، لا الحب الرومانسي وحده. �
PubMed Central (PMC) +١
والفكرة المهمة هنا ليست أن فروم قدّم «الوصفة الصحيحة للحب».
بل أنه أعاد طرح سؤال أصبح مهمًا جدًا في عصرنا:
هل نحن مشغولون بتلقي الحب أكثر من تعلم كيف نحب؟
من «ماذا أستطيع أن أعطي؟» إلى «على ماذا سأحصل؟»
ليس من الخطأ أن يسأل الإنسان عما يحتاجه في العلاقة.
الاحتياجات النفسية حقيقية، والإنسان يحتاج إلى الانتماء، وإلى الاستقلالية، وإلى الشعور بالكفاءة.
وتؤكد نظرية التحديد الذاتي، التي طورها إدوارد ديسي وريتشارد رايان، أهمية الاستقلالية والانتماء والكفاءة في النمو والرفاه النفسي. وفي العلاقات القريبة تحديدًا، وجدت دراسات مبنية على هذه النظرية أن الاستقلالية والانتماء ليسا عدوين؛ بل يمكن أن يدعما العلاقة معًا. �
PubMed +١
إذن ليست المشكلة في أن نسأل:
ماذا أحتاج؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال إلى:
ماذا سأحصل؟
ثم يصبح الآخر، من حيث لا نشعر، وسيلة لإنتاج شعور نريده:
الأمان، التقدير، الاهتمام، الإثارة، المكانة، أو تأكيد القيمة الذاتية.
وعندها يتحول الحب من لقاء بين شخصين إلى عملية تبادل.
وأي علاقة لا تحقق العائد المتوقع تصبح قابلة للمراجعة والاستبدال.
لكن الإنسان ليس سلعة.
والعلاقة ليست تطبيقًا نستخدمه حتى نجد إصدارًا أفضل.
وهنا يدخل عامل آخر: ثقافة الاختيار.
لقد منحتنا الحداثة مساحة واسعة من الحرية، وهذه مكسب لا ينبغي إنكاره.
لكن وفرة الاختيارات قد تغير علاقتنا بفكرة الالتزام نفسها.
ففي عالم يمكن أن نبحث فيه دائمًا عن بديل، قد يصبح السؤال:
هل هذا هو أفضل ما يمكن أن أجده؟
بدل:
كيف يمكن أن أبني ما لدي؟
والفرق بين السؤالين ليس بسيطًا.
الأول ينظر إلى العلاقة بمنطق الاختيار المستمر.
والثاني ينظر إليها بمنطق البناء.
ولا يعني ذلك أن الاستمرار فضيلة مطلقة؛ فالخروج من علاقة مؤذية قد يكون ضرورة، كما أن الوفاء لا يعني إلغاء الكرامة.
لكننا نحتاج إلى التمييز بين أمرين:
أن تترك لأن العلاقة لا يمكن أن تستمر، وأن تترك لأن ثقافتك أقنعتك بأن كل صعوبة دليل على وجود خيار أفضل.
ثم دخلت التكنولوجيا إلى المسألة.
وسائل التواصل لم تجعل الحب سيئًا ببساطة، ولا يمكن علميًا اختزال المسألة بهذه السهولة.
الدراسات التي تبحث في العلاقة بين استخدام وسائل التواصل وجودة العلاقات تقدم صورة أكثر تعقيدًا؛ فبعض الأبحاث يجد ارتباطات بين الاستخدام الإشكالي ورضا أقل عن العلاقة، بينما تظهر أبحاث أخرى جوانب إيجابية للتواصل الرقمي. لذلك لا يصح أن نقول إن وسائل التواصل تسببت وحدها في تدهور الحب. �
psychology.bulletin.knu.ua +١
لكنها غيّرت شيئًا مهمًا:
البيئة التي نرى فيها الآخرين.
أصبحنا نشاهد علاقات لا نعيشها.
نرى صورًا مختارة، واحتفالات، ورسائل، ووعودًا، ولقطات من السعادة.
ثم نقارن حياتنا اليومية بهذه اللحظات المنتقاة.
وبذلك قد لا نكون نقارن علاقة بعلاقة، بل:
واقعًا كاملًا بصورة منتقاة من واقع آخر.
وهنا لا تتغير العلاقة فقط.
يتغير معيارنا عن العلاقة.
لكن هناك تحول أخطر ربما لم ننتبه إليه:
لم تعد وسائل التواصل تعرض لنا الحب فقط؛ بل بدأت تشرح لنا الحب.
ظهرت عشرات الآلاف من المقاطع التي تخبر الإنسان كيف يفسر تصرف الآخر.
هذا تعلق.
هذه نرجسية.
هذا تلاعب.
هذه علاقة سامة.
هذا تجنب.
هذه علامة على أنه لا يحبك.
وهذا هو المكان الذي يجب أن نتوقف فيه.
لأن علم النفس الحقيقي شيء، وتحويل علم النفس إلى قاموس شعبي سريع لتفسير البشر شيء آخر.
دراسة منشورة لـ Adrian Furnham وDavid Hughes شملت 829 مشاركًا ووجدت انتشارًا واسعًا للأساطير والمفاهيم الخاطئة في علم النفس الشعبي، بما في ذلك بين طلاب علم النفس أنفسهم. وهذا لا يعني أن كل محتوى نفسي على الإنترنت خاطئ، لكنه يوضح أن انتشار المعلومة النفسية لا يضمن دقتها. �
Sage Journals
وهنا تظهر مشكلة عصرنا:
المعلومة النفسية أصبحت أحيانًا أسرع من التحقق منها.
وقد يبدو التفسير الجاهز أكثر جاذبية من الاعتراف بأننا لا نعرف.
لكن العلاقة الإنسانية أعقد من مقطع مدته دقيقة.
قد يكون السلوك الذي نراه نتيجة خوف، أو سوء فهم، أو اختلاف شخصية، أو ضغط، أو ظرف مؤقت، أو نمط متكرر.
ولا يمكن لمصطلح واحد أن يحل محل معرفة الإنسان وسياقه.
وهنا يصبح الأمر أخطر عندما تتحول هذه المصطلحات إلى قرارات.
إنسان يقرأ عشرات المنشورات عن «التعلق» فيقرر أن شريكه متجنب.
آخر يقرأ عن «النرجسية» فيرى النرجسية في كل خلاف.
ثالث يقرأ عن «العلاقات السامة» فيعيد تفسير كل اختلاف باعتباره إساءة.
قد تكون بعض هذه التفسيرات صحيحة.
لكن قد تكون خاطئة أيضًا.
والخطأ هنا ليس مجرد خطأ معرفي.
إنه قد يصبح قرارًا يغير حياة إنسان.
ولهذا يجب أن نتعلم التمييز بين:
أن تعرف مصطلحًا، وأن تفهم الإنسان الذي ينطبق عليه المصطلح.
فليست كل تسمية فهمًا.
وليست كل قصة تشخيصًا.
وليست كل مقولة منتشرة علمًا.
وأحيانًا تكون أخطر أشكال الجهل هي تلك التي تأتي مرتدية ثوب المعرفة.
لكن كل هذه التحولات تقودنا إلى سؤال أكبر.
لماذا أصبح الحب محاطًا بكل هذه الشروط والتفسيرات والتوقعات؟
ربما لأن الإنسان الحديث أصبح أكثر انشغالًا بسؤال الذات.
من أنا؟
ماذا أحتاج؟
ما حدودي؟
ما الذي يناسبني؟
ما الذي يجعلني سعيدًا؟
وهذه أسئلة ضرورية.
لكن ماذا يحدث عندما تختفي من الجانب الآخر أسئلة مثل:
ماذا أستطيع أن أقدم؟
ما الذي يحتاجه الآخر؟
كيف أكون جديرًا بالحب؟
كيف أتعلم الصبر؟
كيف أختلف دون أن أهدم؟
كيف أحافظ على فرديتي دون أن أفقد قدرتي على الانتماء؟
هنا ربما لا تكون المشكلة أن الإنسان أصبح أكثر اهتمامًا بنفسه.
بل أنه أصبح أحيانًا أقل قدرة على رؤية نفسه والآخر في إطار واحد.
ولهذا تبدو فكرة فروم مثيرة للاهتمام حتى اليوم.
الحب عنده لا يلغي استقلال الإنسان، بل يقوم على اتحاد لا يلغي الفردية. والاحترام، في تصوره، يتطلب أن يرى الإنسان الآخر بوصفه شخصًا مستقلًا، لا مجرد امتداد لرغباته. �
PubMed Central (PMC) +١
وهذا يلتقي بصورة لافتة مع أبحاث العلاقات الحديثة: فالاستقلالية والانتماء ليسا بالضرورة متعارضين، وقد ارتبطت الاستقلالية داخل العلاقة باستجابات أكثر فهمًا وأقل دفاعية أثناء الخلاف في بعض الدراسات. �
PubMed +١
وهنا تظهر مفارقة جميلة:
ربما لا يحتاج الحب إلى أن نهدم الذات من أجل الآخر، ولا إلى أن نهدم الآخر من أجل الذات.
ربما يحتاج إلى أن تتعلم الذات كيف تكون مع آخر دون أن تبتلعه أو تذوب فيه.
إذن، ماذا حدث للحب؟
ربما لم يتغير الحب نفسه.
ربما الذي تغير هو المعنى الذي وضعناه حوله.
اختلط الحب بالحاجة.
والحاجة بالرغبة.
والرغبة بالامتلاك.
والاهتمام بالسيطرة.
والحدود بالانسحاب.
والحرية بالاستبدال.
والوعي بالنفس بالتشخيص.
والاختيار بالاستهلاك.
ثم أخذنا كل ذلك ووضعناه تحت كلمة واحدة:
الحب.
ولهذا فإن السؤال الذي بدأنا به في هذه السلسلة يصبح أكثر إلحاحًا:
كيف يتغير معنى الحب دون أن تتغير الكلمة؟
ربما لأن الكلمات تبقى أحيانًا، بينما تتغير الحياة التي تسكن داخلها.
فقد نقول «أحبك» اليوم كما قالها إنسان قبل مئات السنين.
لكن هل نقصد الشيء نفسه؟
هل الحب عندنا هو أن أحتاجك؟
أم أن أختارك؟
أم أن أمتلكك؟
أم أن أشعر بالأمان معك؟
أم أن أساعدك على أن تكون ما تستطيع أن تكونه؟
أم أن أجد فيك صورة مثالية عن نفسي؟
أم أن أكون قادرًا على رؤية إنسان آخر خارج حدود حاجتي إليه؟
وربما هنا لا تكون مهمة الفلسفة أن تعطينا تعريفًا نهائيًا للحب.
بل أن تمنعنا من الاطمئنان إلى تعريف لم نفكر فيه أصلًا.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لمفهوم إنساني عظيم ليس أن يختفي.
بل أن يبقى اسمه، بينما يتغير معناه دون أن نلاحظ.
وفي المقال القادم، ربما نقترب أكثر من السؤال الذي يختبئ خلف كل ذلك:
حين نقول إننا نحب شخصًا… هل نحن نحب الإنسان نفسه، أم نحب ما نشعر به عندما يكون معنا؟
مراجع مختارة
Erich Fromm, The Art of Loving (1956) — المرجع الأساسي لفكرة الحب بوصفه قدرة وممارسة، ولأشكال الحب المختلفة. �
PubMed Central (PMC)
Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Love” — عرض فلسفي لأنواع الحب ونظريات الحب بوصفه اتحادًا، واهتمامًا بالآخر، وقيمة، وعاطفة. �
plato.stanford.edu
Deci, E. L. & Ryan, R. M. — Self-Determination Theory، وأبحاث تطبيقها في العلاقات الرومانسية. �
PubMed
Knee, C. R. et al. (2005), Self-determination and conflict in romantic relationships, Journal of Personality and Social Psychology. �
PubMed
Furnham, A. & Hughes, D. J. (2014), Myths and Misconceptions in Popular Psychology, Teaching of Psychology. �
Sage Journals
Yahiiaiev, I., Savych, M. & Keller, V., The Connection between Social Media Use and Relationship Satisfaction — دراسة عن العلاقة بين استخدام وسائل التواصل ورضا العلاقات، مع ضرورة الحذر من استنتاج السببية. �

