سلسله حسن ابني البطل… (5) حين يولد الأمل من رحم الألم
سلسله حسن ابني البطل… (5) حين يولد الأمل من رحم الألم
ك. ش. أ. عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس
ليست كل الولادات متشابهة؛ فبعضها يولد معه السؤال قبل الفرحة، والقلق قبل الزغاريد، وبعضها يفتح أبوابًا لم نكن نعلم أن في داخلنا القدرة على عبورها. هكذا كانت ولادة ابني حسن.
في السابع من أبريل عام 2010، أبصرتُ وجهه الصغير للمرة الأولى. في تلك الفترة كنت أعمل باحثة تربوية في دائرة الإشراف بالمديرية العامة للتربية والتعليم، ولم أكن أعلم أنني على وشك خوض أعظم تجربة تعلم في حياتي. كان أسبوع واحد كفيلًا بقلب المعادلة كلها.
دخل إلى غرفة الولادة فريق طبي، وطلبوا حضور الأب والأم. بكلمات مباشرة وقاسية، قيل لنا إن طفلنا يعاني من متلازمة داون، وإن لديه مشكلات صحية متعددة: عيوب في القلب، واضطرابات أخرى، ورسموا لنا تنبؤات مظلمة عن مستقبله، بل وصل الحديث إلى أنه قد لا يتكلم أو يبكي كبقية الأطفال.
لكن في تلك اللحظة، لم يكن الصوت الأعلى هو صوت الأطباء، بل صوت الإيمان في قلب الأب. وقف والد حسن ثابتًا وقال بيقين:
“الحمد لله، ابني كامل الخِلقة، وما دام الله قد منحه الحياة، فهو نعمة لا تُردّ.”
نفقدها. عدنا لاحقًا إلى المستشفى بسبب إصابته باليرقان، حيث أمضى أسبوعًا في العناية المركزة للأطفال الخدّج. وهناك، تعلّمتُ درسًا لا يُدرّس في الجامعات: أن الألم حين يُرى عن قرب، يتحول إلى وعي، وأن معاناة الأطفال أصحاب التشوهات الخَلقية تختبر إنسانيتنا قبل علمنا.
مررتُ بفترة من اكتئاب ما بعد الولادة، لكنها لم تدم طويلًا؛ فدعم الأسرة، وتكاتف الإخوة والأخوات، وتلاوة آيات الشفاء، كانت البلسم الذي أعاد لي توازني. حينها أدركت أن الأم لا تُشفى وحدها، بل تُشفى بمن حولها.
عند إكمال حسن ستة أشهر، تقرر إجراء عملية قلب مفتوح له. انتقلنا إلى العاصمة مسقط بعد أن رتبتُ حياتي وحياة أبنائي الآخرين على أساس هذا الموعد. كان تأجيل العملية في البداية صدمة جديدة، لكنها لم تكن أقوى من إصرارنا.
بعد أسبوعين من الانتظار، دخل حسن غرفة العمليات في الصباح الباكر. وبينما كنتُ أرابط عند الباب، لا أملك إلا القرآن والدعاء، سألتني إحدى الحاضرات عن حالة ابني، وحين ذكرت أنه يعاني من متلازمة داون، لمستُ في كلامها قسوة خفية، كأن الحياة تُقاس بسلامة الجينات لا بعمق الروح. أدركتُ حينها أن البعض يجهلون معنى الأمومة.. فصمتُّ، وتركت قلبي يتكلم إلى الله.
كان حسن يعاني من عيب خلقي يُعرف بعيب الحاجز الأذيني البطيني (AVSD)، وهو تحدٍ كبير يتطلب تدخلًا جراحيًا دقيقًا لتفادي مضاعفات خطيرة. وبفضل الله، ثم كفاءة الفريق الطبي، تكللت العملية بالنجاح.
دخل حسن بعدها العناية المركزة، وكنتُ كل يوم أضع صدقة بسيطة تحت رأسه، وفي الصباح أُخرجها بنية الشفاء، مؤمنة بأن العطاء باب من أبواب الرحمة، وأن الله لا يرد قلبًا مكسورًا لجأ إليه.
اليوم، حين أنظر إلى ابني، لا أراه تشخيصًا طبيًا ولا ملفًا علاجيًا، بل أراه درسًا حيًا في الصبر، وقصة نصر صغيرة تُروى كل يوم. فبعض الأطفال لا يأتون ليعيشوا حياة عادية، بل ليعلّمونا كيف تكون الحياة.. أعمق، وأصدق، وأقرب إلى الله.