مسقط… عاصمة الحوار العالمي..
مسقط… عاصمة الحوار العالمي..
بقلم د.أحمد أبـوخلبـة الحضـري
تُعدّ مسقط، عاصمة سلطنة عُمان، نموذجًا فريدًا في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات وتتعقّد فيه الخلافات الإقليمية والدولية. فمنذ عقود، اختارت السلطنة نهجًا دبلوماسيًا قائمًا على الحكمة والحياد الإيجابي، ما جعلها وجهة موثوقة للوساطات ومسرحًا هادئًا للحوار بين أطرافٍ متنازعة تبحث عن حلولٍ بعيدة عن صخب السياسة وصراعات المصالح.
أرسى المغفور له السلطان قابوس بن سعيد دعائم السياسة العُمانية الحديثة على مبادئ واضحة: عدم التدخل في شؤون الآخرين، احترام السيادة، وتغليب لغة الحوار على المواجهة. هذا النهج لم يكن مجرد شعار، بل ممارسة عملية جعلت من مسقط منصةً موثوقةً للتلاقي بين الفرقاء، سواء في الملفات العربية أو الدولية، وأكسب السلطنة ثقة مختلف الأطراف، وفتح لها أبواب الوساطة الهادئة التي أثمرت في أكثر من قضية إقليمية ودولية.
ومع تولّي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم، استمر النهج العُماني ذاته بروحٍ متجددة تجمع بين الثوابت التاريخية ومتطلبات الواقع المتغير. فقد أكّد جلالته أن سياسة السلطنة تقوم على التعاون والسلام وحسن الجوار، وأن عُمان ستبقى جسرًا للتقارب لا ساحةً للاستقطاب. وفي عهده، تواصلت أدوار الوساطة والتقريب بين وجهات النظر، مع تعزيز الحضور العُماني في الجهود الرامية إلى خفض التوترات وبناء الثقة على المستويين الإقليمي والدولي.
ويبرز الملف اليمني مثالًا حيًا على الدور العُماني المتوازن إنسانيًا وسياسيًا؛ إذ احتفظت السلطنة بعلاقاتها مع مختلف الأطراف اليمنية والإقليمية، وفتحت قنوات للحوار عندما أُغلقت أبواب كثيرة، وسهّلت مبادرات إنسانية وجهودًا لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار. ويعكس هذا الدور رؤية عُمانية ترى في استقرار اليمن جزءًا لا يتجزأ من استقرار المنطقة، وفي معاناة شعبه مسؤوليةً أخلاقية تتجاوز الحسابات الضيقة.
ولا يقتصر تميّز مسقط على قرارات السياسة، بل يمتد إلى طبيعة المدينة ذاتها؛ فبتاريخها البحري وتنوعها الثقافي وانفتاحها الحضاري، شكّلت عبر القرون نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ما انعكس في ثقافة سياسية تُفضّل التفاهم على المواجهة وتُعلي من قيمة الصبر الدبلوماسي والعمل بعيدًا عن الأضواء. لذا لم يكن مستغربًا أن تختارها أطراف إقليمية ودولية مسرحًا للقاءات الحساسة والمباحثات غير المعلنة.
وفي زمن الاستقطاب الحاد، برزت السلطنة كصوتٍ للعقل والاعتدال يدعو إلى الحلول السياسية للنزاعات واحترام القانون الدولي وتعزيز العمل الجماعي. هذا الموقف أكسبها تقديرًا واسعًا، وجعلها شريكًا مقبولًا لدى قوى متباينة المصالح، حتى غدت مسقط رمزًا دبلوماسيًا يتجاوز حدود الجغرافيا، ويجسّد مدرسة سياسية ترى أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالثقة والتفاهم.
وهكذا، فإن وصف مسقط بـ«عاصمة الحوار العالمي» ليس مبالغةً أدبية، بل توصيفٌ لدورٍ تبلور عبر عقود من السياسة الحكيمة التي أرساها السلطان قابوس، ويواصل ترسيخها السلطان هيثم بن طارق. وبين الإرث والاستمرار، تبقى عُمان نموذجًا لدولةٍ اختارت أن تكون وسيط خير وجسر تواصل وواحة استقرار في محيطٍ مضطرب—رسالةً تؤكد أن الحوار ما زال الطريق الأقصر نحو السلام



