١. ماذا يعني لك حضورك في الدورة الثانية من مهرجان ظفار المسرحي؟

2
السيابي

١. ماذا يعني لك حضورك في الدورة الثانية من مهرجان ظفار المسرحي؟

حضور الدورة الثانية من مهرجان ظفار المسرحي حمل لي مفاجأة الاختيار والمشاركة في رئاسة لجنة تحكيم مسار مسرح ظفار ، فمثلت هذه الثقة من رئاسة وإدارة المهرجان تكليف وتشريف أن اشارك المسرحيين العرب والدوليين تبادل التجارب في مساحة تجمع المسرحيين من داخل سلطنة عُمان وخارجها، لأن المسرح في جوهره قائم على اللقاء والحوار. نحن نتعلم من العرض، ونتعلم كذلك من النقاش الذي يأتي بعده، ومن لقاء الفنانين والنقاد والباحثين، ومن اختلاف الرؤى والمدارس والأجيال. أحيانًا حوار قصير بين مسرحيين على هامش مهرجان يمكن أن يفتح أبوابا لمشروع أو فكرة تستمر سنوات.
كما أن للدورة الثانية أهمية خاصة في تقديري؛ لأن الدورة الأولى عادة ما تكون إعلانا عن ولادة المشروع، أما الدورة الثانية فهي بداية التأكيد على الاستمرارية والتراكم. والمسرح، مثل كل فعل ثقافي حقيقي، يحتاج إلى هذا التراكم حتى يصنع تقاليده وهويته ومكانته ولله الحمد هذا ما تحقق بمجرد الإعلان عن الدورة الثانية.
ومن هنا، فإن وجودي في مهرجان ظفار الدولي أعتبره فرصة لمتابعة هذه التجربة وهي تنمو، والاقتراب من الجيل الجديد من المسرحيين، ومشاهدة ما يحمله من أفكار وطموحات. وأنا أؤمن بأن مسؤوليتنا، نحن الذين عشنا مراحل مختلفة من التجربة المسرحية العمانية، بأن لا نكتفي بالنظر إلى ما تحقق، وإنما أن نكون قريبين من الأجيال والممارسين المسرحيين، وأن نفتح معهم الحوار الخاصة بالمسرح.
لذلك أشعر بكثير من السعادة والتفاؤل وأنا أرى هذا الحراك في محافظة ظفار؛ حيث تعدد المهرجانات التثقيفية والترفيهية يصب في النهاية في مصلحة الثقافة و المسرح العماني والمبدعين والمشتغلين بكل تأكيد.
٢. ما الذي يمكن أن يضيفه المهرجان إلى مسيرة المسرح العماني؟
أعتقد أن القيمة الحقيقية لأي مهرجان بما يضيفه إلى الحركة المسرحية بعد انتهاء المهرجان. ومن هذه الرؤية أرى أن مهرجان ظفار الدولي للمسرح أمامه فرصة مهمة ليكون رافدا جديدا ومؤثرا في مسيرة المسرح العماني الحاضرة والمستقبلية.
المسرح العماني يمتلك تاريخا وتجارب وأسماء ومؤسسات وجمهورا متعطشا للمتابعة وهذا ما يعكسة المركز الوطني للإحصاء، لكنه مثل أي تجربة مسرحية يحتاج باستمرار إلى فضاءات جديدة تحرك المياه وتدفع الفنان إلى البحث والتجريب. والمهرجان يوفر هذه المساحة؛ لأن الفنان عندما يجد منصة تستقبل تجربته، ومتلقى سيتابعه، فإنه يصبح أكثر حرصا على تطوير أدواته وعلى تقديم شيء مختلف وجديد.
ومن أهم ما يمكن أن يقدمه مهرجان ظفار الدولي للمسرح هو اكتشاف الطاقات الشابة. نحن نحتاج دائما إلى مخرج جديد، وممثل جديد، وكاتب جديد، وسينوغرافي وتقني وناقد وباحث مسرحي جديد. والمهرجانات تستطيع أن تكون بوابة حقيقية لظهور هذه الأسماء ومنحها الثقة والفرصة للاحتكاك بأصحاب الخبرة.
كذلك فإن وجود المسرحيين العرب والدوليين إلى جانب المسرحيين العمانيين يخلق شبكة من العلاقات والتجارب المشتركة. والمسرح فضاء ينمو بالتجارب والاستمرارية فحين يرى الفنان ماذا يفعل الآخر، ثم يعود إلى بيئته وهويته ويسأل نفسه: ماذا أستطيع أنا أن أقدم؟ وما الصوت الذي يمكن أن تضيفه التجربة العمانية إلى المسرح العربي والعالمي؟
وأتمنى مستقبلا أن نرى المهرجان يتجاوز المسابقة ليصبح المهرجان مصنعا للحركة المسرحية، وهذه في اعتقادي من أهم الإضافات التي يستطيع مهرجان ظفار الدولي للمسرح أن يقدمها للمسرح العُماني.
٣. هل ترى أن وجود تجارب عربية ودولية في ظفار يمكن أن يغيّر طريقة نظر المسرحي العماني إلى تجربته؟
بلا شك، وأنا أفضل أن أستخدم هنا كلمة «يوسع» بدلا من «يغيّر». نحن لا نريد للمسرحي العماني أن يتخلى عن تجربته أو هويته عندما يشاهد التجارب العربية والدولية، وإنما نريده أن تتسع رؤيته وأن يرى تجربته من زوايا جديدة.
ميزة المهرجانات الدولية أنها تضع تجارب مختلفة في مكان واحد. قد نشاهد عرضا يعتمد على النص بصورة أساسية، وآخر ينطلق من الجسد والحركة، وثالثا يوظف التكنولوجيا والوسائط الحديثة، وتجربة أخرى تعود إلى التراث أو المسرح الشعبي. هذا التنوع يجعل المسرحي يعيد طرح الأسئلة على نفسه: لماذا اخترت هذه الأداة؟ هل هناك طريقة أخرى للتعبير؟ وهل أستطيع تطوير لغتي المسرحية من دون أن أفقد هويتي؟
وأعتقد أن المسرحي العماني لديه ما يقدمه للآخر ، فالعلاقة يجب ألا تكون في اتجاه واحد ومن نافذة واحدة ؛ بمعنى أننا لا نستضيف التجارب العربية والدولية لكي نتعلم منها ولكن لكي ترانا هي وتشاهد تطورنا المسرحي وتتعرف على إنتاجنا في التأليف والمشتغليين من ممثلين ومخرجين فنحن لدينا تجربة مسرحية تستحق أن يتعرف عليها عربيا ودوليا.
ومن هنا تأتي أهمية مهرجان ظفار الدولي للمسرح في دورته الثانية؛ فهو يستطيع أن يكون جسرا ذا اتجاهين: نافذة يطل منها المسرحي العماني على العالم، ونافذة يطل منها المسرحي العربي والدولي على عمان. وكلما اتسعت مساحة هذا الحوار، أصبح المسرح العماني أكثر وعيا بخصوصيته وأكثر قدرة في الوقت نفسه على مخاطبة الآخر بكل ثقة واقتدار.
٥. ما الذي تتمنى أن يبقى من هذه الدورة بعد أن تسدل الستارة؟
هذا بالنسبة لي ربما يكون السؤال الأهم؛ فكلنا يعرف أن المهرجان أيامه محدودة والسؤال الذي يلح علينا: ماذا يبقي في روح الإنسان؟ وماذا تستفيد الحركة المسرحية العمانية؟

أتمنى أن تبقى العلاقات التي صنعها المهرجان. ومن أجمل ما تفعله المهرجانات أنها تجمع أشخاصا ربما لم يكن من الممكن أن يلتقوا لولا المسرح. ومن هذه اللقاءات قد تولد أعمال مشتركة، أو دعوات متبادلة، أو مشاريع بحثية وفنية، أو حتى صداقات مسرحية تستمر لسنوات. وهذه أشياء بكل تأكيد لا تظهر بمجرد تسليم الجوائز، لكنها أحيانا تكون أهم من الجائزة نفسها.
محافظة ظفار مرصعة بسفر العمق التاريخ لمكانتها وفنونها فهي بيئة ثقافية وإنسانية متكاملة، تمتلك من المقومات التاريخية والحضارية والطبيعية والاجتماعية ما يجعلها مؤهلة لأن تكون حاضنة لمشروع مسرحي وثقافي كبير ومستدام. نحن نتحدث عن محافظة لها خصوصيتها وذاكرتها وموروثها المتنوع، ولها حضورها المهم على خارطة السياحة والثقافة في سلطنة عمان، وهذا يمنح أي مشروع ثقافي يقام فيها مساحة واسعة للنمو والتأثير والوصول إلى جمهور محلي وعربي ودولي.
وما يدعو إلى التفاؤل بصورة أكبر هو أن مهرجان ظفار الدولي لللمسرح يحظى برعاية واهتمام كريمين من صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد، محافظ ظفار، ومتابعته الشخصية وحرصه على نجاح هذه الدورة وتطورها. وجود هذا الاهتمام من أعلى مستوى في المحافظة يمثل رسالة مهمة للمسرحيين والمثقفين بأن الثقافة والفنون جزء أصيل من مشروع التنمية، وأن المسرح يمكن أن يكون واجهة حضارية تليق بظفار وبسلطنة عمان.

كما أن نجاح مهرجان ظفار في وجود فريق مميز يقود منظومة متكاملة من العمل، وهذا ما نلمسه في الجهود التي تبذلها إدارة المهرجان، وفي دعم ومتابعة سعادة رئيس بلدية ظفار، والجهود الكبيرة التي يقوم بها المهندس عمار غواص، وكذلك مدير المهرجان أحمد الرواس، إلى جانب جميع اللجان والأطقم التنظيمية والفنية والإعلامية والمتطوعين والعاملين خلف الكواليس. هؤلاء قد لا يراهم الجمهور جميعا على خشبة المسرح، لكن أثر عملهم يظهر في كل تفصيل من تفاصيل المهرجان، وهم شركاء حقيقيون في نجاحه.
وأعتقد أن استمرار إقامة الدورة الثانية في ظفار يتجاوز فكرة تنظيم تظاهرة مسرحية لعدة أيام؛ فنحن أمام فرصة لبناء تراكم ثقافي ومسرحي، وهذا التراكم هو الأساس الذي تصنع به المهرجانات الكبرى مكانتها. المهرجان في دورته الثانية ما زال في مرحلة شابة، ومن الطبيعي أن تكون أمامه مساحات للتطوير، لكن المؤشرات تبعث على التفاؤل، خصوصًا مع هذا الاهتمام الرسمي، والحضور العربي والدولي، والرغبة الواضحة لدى القائمين عليه في الاستماع إلى المسرحيين وتطوير التجربة من دورة إلى أخرى.

وظفار تحديدا قادرة على أن تمنح المهرجان شخصية لا تشبه أي مهرجان آخر؛ فالمكان نفسه يمتلك هويته، من التاريخ والموروث والفنون الشعبية إلى الطبيعة والتنوع الثقافي والإنساني. والمهم مستقبلا أن نستثمر هذه الخصوصية، بحيث يأتي المسرحي من خارج السلطنة إلى مهرجان ظفار فلا يشاهد عروضا مسرحية فحسب، وإنما يتعرف أيضا إلى ظفار وثقافتها وإنسانها وإلى التجربة العُمانية بصورة أوسع.

وأنا متفائل بأن استمرار هذا النهج، بقيادة ودعم صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد، وبجهود إدارة المهرجان وكل المؤسسات والأسماء والكوادر التي تعمل بإخلاص لإنجاحه، يمكن أن يجعل من مهرجان ظفار المسرحي، مع مرور السنوات وتراكم الدورات، موعدا مسرحيا عربيا ودوليا مهما تشد الرحال إليه وإلى عمان الأصالة والثقافة المستنيرة. فالمهرجانات الكبيرة لا تولد كبيرة؛ وإنما تكبر بالرؤية والاستمرارية والتراكم، وأرى أن ظفار تمتلك المكان والإمكانات والإنسان والإرادة التي تجعلنا ننظر إلى مستقبل هذا المشروع بكثير من الثقة والتفاؤل وجود الرغبة في الاستمرارية والتجديد والاضافات التي أطلقها المهرجان بوجود قامات مسرحية كبيرة تحضر وتكرم في أيامه. واليوم الأثر هو من يقود المجد وينصفه التاريخ ويكتب رياحين الحروف لكل هذه الجهود المميزة.

التعليقات معطلة