مسرحية “كون”.. مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بذاته وبمحيطه

عمّان / تدور أحداث مسرحية “كون” من فكرة وإخراج هشام سويدان، في فضاء يتأرجح بين الواقع والخيال، ويأخذ من الغرائبية قدرتها على تفكيك المألوف وإعادة تركيبه.
وتتعامل المسرحية مع وجود الإنسان على الأرض بوصفه رحلة شاقة، تتداخل فيها الرغبات والمخاوف، وتتصادم فيها إرادة الكائن مع القوى المحيطة به.
ومن هذا المنطلق، يتشكل العرض في فضاء غرائبي تتقاطع فيه العوالم، وتغدو فيه الخشبة مساحة للتأمل في علاقة الإنسان بذاته وبالكون، وفي محاولاته المتكررة للوصول إلى إجابات قد يكون من الصعب الوصول إليها.

وتتحدث المسرحية التي عرضت في مهرجان المسرح الأردني للمحترفين في دورته الأولى، عن خمس شخصيات تلتقي في عالم يقع بين الواقع والخيال، وتخوض صراعات مريرة مع العناصر الأربعة: التراب والنار والماء والهواء. ولا تبدو هذه العناصر مجرد مكونات للطبيعة، بل تتحول إلى قوى ذات دلالات رمزية، تستحضر علاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه، وما يواجهه من تحديات داخلية وخارجية. ومن خلال هذا الاشتباك، تتوالى المواجهات، وتتبدل أشكال الصراع، ليجد الإنسان نفسه في حالة من الاختبارات المستمرة، يحاول فيها أن يثبت وجوده ويحقق توازنه وسط عالم لا يكف عن التبدل.
وتكمن إحدى أبرز سمات التجربة المسرحية هنا في اعتمادها على الأداء الجسدي بوصفه لغة أساسية للتعبير، إذ تمنح الجسد مساحة واسعة ليصبح أداة للسرد والتأويل، وتغدو الحركة التمثيلية تعبيرًا يحمل دلالات نفسية وفلسفية، ويكشف عن حالات التوتر والمقاومة والبحث والارتباك التي تعيشها الشخصيات.
وتتسع اللغة الجسدية من خلال مجموعة من المفردات البصرية التي تشكّل العمود الفقري للصورة المسرحية، وفي مقدمتها السلالم المعلقة والكواكب والصلصال.. وهي عناصر تكتسب طاقة رمزية تفتح المجال أمام قراءات متعددة؛ فالسلالم المعلّقة، على سبيل المثال، تستدعي فكرة الصعود والارتقاء، وتوحي بمحاولة الإنسان ارتياد مساحات جديدة، لكنها في الوقت ذاته تضعه أمام سؤال الطريق الذي يسلكه، ومدى قدرته على بلوغ ما يطمح إليه.
أما الكواكب، فتوسع حدود الفضاء المسرحي، وتنقل الصراع من مستواه الفردي إلى أفق أرحب، يصبح فيه الإنسان كائنًا صغيرًا في مواجهة اتساعٍ لا نهائي، وفي المقابل، يحمل الصلصال دلالة مختلفة، حيث يستحضر المادةَ الأولى التي يتشكّل منها الإنسان، وما يرتبط بها من أسئلة حول الأصل والهوية وإمكانية إعادة تشكيل الذات.. وبين هذه العناصر تتكون شبكة من العلامات البصرية التي تمنح العرض بُعدًا تأمليًّا، وتجعل من الأشياء المحيطة بالممثلين جزءًا من عملية إنتاج المعنى.

وتبرز الحركة الدائرية اللانهائية بوصفها أحد المفاتيح المهمة لقراءة العرض، فهي تحيل إلى الدوران في مسارات متكررة، وإلى محاولات الإنسان التي قد تبدو وكأنها تعيده باستمرار إلى نقطة البداية. وهذه لعلها صورة عامة للحياة بما تنطوي عليه من تكرار وتجارب ومحاولات، وللأسئلة التي تظل مفتوحة مهما تعددت الإجابات: الإنسان يسعى إلى تجاوز واقعه، لكنه يكتشف في كل مرة أن الطريق أكثر تعقيدًا مما يتصور، وأن الوصول إلى غايته لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة البحث نفسها التي ربما تكون أهم من الوصول بحد ذاته.
وعلى مستوى الرؤية الإخراجية، تبدو محاولة هشام سويدان قائمة على بناء عالم مسرحي لا يلتزم بقوانين الواقع المباشر، بل يستثمر الخيال والسوريالية لتقديم الأفكار في هيئة صور وحركات ورموز، فالمسرح هنا لا يحاكي الحياة بقدر ما يعيد تركيبها، ويحرر عناصرها من وظائفها المألوفة لتصبح قابلة للتأويل، وهذا ما يمنح العرض طابعه البصري والفلسفي، ويجعل العلاقة بين الممثل والفضاء عنصرًا أساسيًا في تشكيل التجربة ككل.
وتتوزع مسؤولية بناء هذا العالم على عناصر فنية متعددة، تتكامل في خدمة الرؤية العامة، فالديكور (من تصميم معتز كرامة) يشارك في تأسيس الفضاء العجيب الذي تتحرك داخله الشخصيات، فيما تتولى الإضاءة (من تصميم ماهر جريان)، تشكيل المشهد وتوجيه النظر وإبراز التحولات البصرية، فتحولت إلى جزء من التكوين التشكيلي، وأسهمت في إثراء الحالات والأجواء التي يتنقل العرض بينها.
أما الموسيقى (من إعداد عامر عبد الله) فأضافت بُعدًا سمعيًّا إلى التجربة، ومنحت الحركة الجسدية والصورة المسرحية امتدادًا إيقاعيًّا، في حين شكّلت المادة الفيلمية التي أعدّها منذر خليل مساحة أخرى لتوسيع العالم البصري، وإضافة مستوى من التعبير يتجاوز حدود الخشبة المباشرة.
وقدم الممثلون منى موسى وكريم كرم ومثنى الزبيدي، أدوارهم ضمن هذا البناء الجماعي، الذي يمنح الجسد والحركة أهمية مركزية في التعبير عن الصراعات.


