١٩- فندق القيادة: بيان ضد الظل

١٩- فندق القيادة: بيان ضد الظل

كتبه/عيسى بن سالم البلوشي
صحار/ السبت ٢٠٢٦/٠٢/١٤
ليس كل من جلس على الكرسي قائدًا.
وبالتأكيد… ليس كل من امتلك التوقيع امتلك الضمير.
فندق القيادة لا ينهار بسبب العواصف.
ينهار حين يُستبدل الضوء بالستائر الثقيلة.
المال العام ليس رقمًا في خانة.
ليس بندًا في ميزانية.
ليس فائضًا يُعاد توزيعه وفق المزاج.
المال العام هو أعصاب المجتمع.
هو تعب أبٍ يعمل ليلًا،
هو حلم شاب ينتظر فرصة،
هو ثقة أمٍّ تظن أن مؤسساتها تحمي مستقبل أبنائها.
وحين يدخل هذا المال إلى فندق القيادة،
لا يدخل كغنيمة…
بل كأمانة.
لكن بعض القادة يتعاملون معه كأنه ملكية شخصية مؤقتة.
يُعيدون تعريف الأمانة لتناسب راحتهم.
يستبدلون الكفاءة بالقرب،
والمعيار بالعلاقة،
والشفافية بالصمت.
قائد المحسوبية لا يحتاج إلى إعلان فساده.
فساده يتنفس في التفاصيل.
في اجتماعٍ لم يُدعَ إليه الأكفأ.
في منصبٍ مُنح لمن يُجيد التصفيق.
في تقريرٍ حُذفت منه فقرة مزعجة “حرصًا على الاستقرار”.
هو ضعيف…
لكن ضعفه يرتدي قناع الهيبة.
متغطرس…
لكن غروره هشّ كزجاج رقيق.
يخاف من أصحاب الرأي،
يرتبك أمام الأرقام الحقيقية،
ويحتاج دائمًا إلى دائرة صغيرة تحميه من الحقيقة.
تقارير الظل هي تحفته الفنية.
يصنعها بعناية.
لا يكذب صراحة…
بل يُجيد نصف الحقيقة.
ونصف الحقيقة… كذبة كاملة.
في تقارير الظل،
تتحول الخسائر إلى “إعادة هيكلة”.
يتحول الهدر إلى “مصاريف تشغيلية”.
يتحول الفشل إلى “مرحلة انتقالية”.
لكن الأرقام لا تموت.
قد تُؤجل،
قد تُجمّل،
قد تُدفن تحت عناوين براقة…
لكنها تعود.
تعود كعجزٍ مفاجئ.
كأزمة ثقة.
كفجوة بين المؤسسة ومجتمعها.
تعود حين يصبح الإصلاح أصعب،
وأغلى،
وأكثر إيلامًا.
الإهمال المتعمد أخطر من الخطأ.
الخطأ يُصلح.
أما الإهمال الواعي فهو خيانة باردة.
حين يرى القائد الخلل ويصمت،
حين يعرف الانحراف ويؤجله،
حين يختار راحته على حساب المال العام…
فهو لا يدير مؤسسة،
بل يؤجل انهيارها.
فندق القيادة لا يسأل:
كم حققت؟
بل يسأل:
كيف حققت؟
لا يسأل:
من عيّنت؟
بل يسأل:
لماذا عيّنته؟
لا يسأل:
كيف بدت التقارير؟
بل يسأل:
هل كانت حقيقية؟
القائد الحقيقي لا يخاف من ضوء التدقيق.
لا يقلقه سؤال المراجع.
لا يرتبك أمام الشفافية.
بل يعتبرها درعه الوحيد.
هو يعرف أن الكرسي لا يخلّد أحدًا.
وأن التوقيع ليس سلطة… بل مسؤولية.
وأن المال العام لا يصفح عن العبث،
حتى لو صمت الجميع.
في النهاية،
كل قائد سيغادر الفندق.
سيُسلم بطاقته.
وسيُطفأ اسمه من اللوحة.
لكن ما سيبقى ليس خطابه…
بل أثره.
هل ترك نظامًا أقوى مما استلمه؟
هل غادر والمؤسسة أكثر نزاهة؟
هل نام مرتاح الضمير حين واجه الأرقام كما هي؟
القيادة ليست امتيازًا.
إنها اختبار يومي في الأخلاق.
وفي فندق القيادة،
لا يُقاس القائد بحجم مكتبه،
بل بقدرته على حماية المال العام من نفسه أولًا.
إن لم تستطع أن تواجه الحقيقة،
فلا تطلب المنصب.
وإن لم تتحمل الضوء،
فلا تلعن الشمس.
هنا،
إما أن تكون أمينًا…
أو تكون ظلًا.
ولا شيء بينهما.


