أخبار محلية

خاتمة

( خاتمة )

للكاتبة
ميادة بنت رامس العمرية

تحليل
إبراهيم المنسي – مملكة البحرين ناقد ومخرج مسرحي.

خَاتَمَةٌ

قَامَتْ بِدَعْوَتِهَا لِلْعَشَاءِ، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَجْبَةٌ أَلَذُّ لَهُنَّ مِنْهَا! تِلْكَ الَّتِي اسْتَبَاحُوا غَيْبَتَهَا، سَخِرُوا مِنْهَا. تَعَالَتِ الضَّحِكَاتُ، اهْتَزَّ جَسَدُهَا، سَعَلَتْ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ، جَحَظَتْ عَيْنَاهَا، ثُمَّ وَدَّعَتِ النَّدَمَ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ.

نص قصير لكنّه مكثّف ومحمّل بدلالات نفسية وأخلاقية عميقة، ويعتمد على المفارقة والاختزال أكثر من السرد المباشر.

أولًا: العنوان (خاتمة)
العنوان يفتح النص على نهايته منذ البدء، وكأنّ القارئ يدخل القصة بعد أن انتهى كل شيء. “الخاتمة” هنا ليست نهاية حدث، بل نهاية وعي، أو سقوط أخلاقي مكتمل.
العنوان يوحي بالحسم واللاعودة، ويهيّئ القارئ لصمت ثقيل لا اعتراف فيه ولا توبة معلنة.

ثانيًا: الفكرة والمحور
القصة تتمحور حول الغيبة بوصفها فعلًا جماعيًا متلذّذًا، تتحوّل فيه الضحية إلى “وجبة”. هذه الاستعارة القاسية تكشف كيف يُستهلك الغائب أخلاقيًا كما يُستهلك الطعام، بلا شعور بالذنب، بل بلذّة مشتركة.
النص لا يدين الفعل مباشرة، بل يتركه ينكشف بذاته.

ثالثًا: المفارقة السردية
أبرز مفارقة في النص أنّ الدعوة كانت للعشاء، لكن العشاء الحقيقي لم يكن طعامًا، بل إنسانة غائبة. هذه المفارقة تمنح النص قوّته، وتجعل القارئ شريكًا في الاكتشاف لا متلقيًا للوعظ.

رابعًا: البناء النفسي للشخصية
الشخصية المحورية ليست الضحية، بل إحدى المشاركات في الغيبة:

الضحك المتصاعد

الاهتزاز الجسدي

السعال

جحوظ العينين

هذا التراكم الحركي والجسدي يشير إلى ضحك هستيري، أقرب إلى الانفلات النفسي منه إلى الفرح. وكأن الجسد يفضح ما يحاول الضمير إنكاره.

خامسًا: الذروة والانكسار
التحوّل المفصلي يأتي في الجملة الأخيرة:

( ثم ودّعت الندم بصمت ثقيل )

هنا لا نرى توبة ولا اعترافًا، بل قرارًا داخليًا بإقصاء الندم. الصمت ليس سكونًا، بل عبء أخلاقي، ثقل ما لم يُقَل وما لن يُقال. هذه الخاتمة تمنح النص قتامة خاصة، لأنها تُبقي الجرح مفتوحًا.

سادسًا: اللغة والأسلوب

لغة فصيحة مكثفة، خالية من الزوائد.

الجمل قصيرة نسبيًا، متلاحقة، تحاكي إيقاع الضحك ثم الانقطاع المفاجئ.

الاعتماد على الأفعال الحسية (ضحك، اهتز، سعلت، جحظت) يعوّض غياب الوصف الداخلي المباشر.

سابعًا: الدلالة العامة
القصة لا تتحدث عن حادثة عابرة، بل عن اعتياد القسوة، وعن كيف يمكن للإنسان أن يتخلّص من الندم لا بالتوبة، بل بالصمت. إنها إدانة ناعمة للمجتمع أكثر منها لشخص واحد.

خلاصة
نصّ ينتمي بوضوح إلى القصة القصيرة جدًا ذات البعد الأخلاقي النفسي، ويتميّز بجرأته في جعل النهاية أكثر إزعاجًا من الذنب نفسه.
قوته في ما يُلمّح إليه، لا فيما يقوله صراحة، وهذا ما يجعله نصًا قابلًا للتأمل الطويل رغم قصره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى